للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 71

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

في صباح اليوم الموعود للمغادرة إلى دمشق من إسطنبول، صحوت على ضجيج في الشوارع المجاورة للفندق والمجمّع الكبير. غيّرتُ ملابسي وتناولت طعام الفطور، وبدأت أرتّب حاجياتي تهيؤًا للمغادرة، فبادرني الرجل الموجود في إدارة الفندق بأن هناك منع تجوّل.

تفاجأت: لماذا؟

قال إن اليوم عيد العمال العالمي، وخشيةً من حصول تظاهرات مثل كل عام، فإن الشرطة تملأ الشوارع. ونصحني بالنزول إلى الموجودين في مكتب الحجز.

فعلاً نزلت، فأكدوا لي استحالة المغادرة الآن، ولكن اذا ما انسحبت قوات الشرطة وتعود الشوارع الى الهدوء فسنغادر ليلاً. وقال لي احدهم .."لا تقلق عزيزي، كل شيء تمام."

 

رجعت إلى غرفتي في الفندق المطلة على الشارع العام وساحة المجمّع الرئيسية، ورأيت لأول مرة أعدادًا ليست قليلة من الجندرمة التركية تحيط بكل المحال والمكاتب والشوارع والأزقة.

 

كنت أحسب الساعات كي تنقضي لأغادر إسطنبول. مضى الوقت بين تناول الطعام وشرب الشاي ومتابعة ما يجري في الشارع، ومع مرور الوقت بدأت تعود الحياة تدريجيًا الى وضعها الطبيعي دون حصول مصادمات، وبدأت قوات الشرطة المسلحة بالانسحاب، ومظاهر الاستعداد للمواجهات تختفي، وانسحبت آليات الشرطة من الأزقة والساحة الرئيسية.

اطمأنيت، فحدس أصحاب مكتب السفر قد صدق، وأننا سننطلق في الوقت الجديد المحدد، وهو منتصف الليل.

 

انطلقت الحافلة، وقد امتلأت بالمسافرين، وأغلبهم فلسطينيون، ولربما انا العراقي الوحيد بينهم. ما شدّ انتباهي كثرة البضائع المصفوفة بشكل متقن جدًا ومربوطة بحرفية عالية، فمعظم هؤلاء المسافرين يعملون بالتجارة الشعبية – إن صح التعبير – أو تجارة الأدوات والاحتياجات المنزلية كما هو متعارف عليها: أدوات طعام، وبهارات، ومواد غذائية جافة، وسجائر، ملابس، فالبضاعة التركية معروفة بجودتها. وأصحاب هذه التجارة عوائل يعرف بعضهم بعضًا، وهم، شئنا أم أبينا، ينخرون في الاقتصاد.

 

مررنا بنقاط حدودية عديدة، لكن أسوأها كانت عند مشارف دمشق بسبب كثرة التحقيقات. وبدا لي أن شرطة الكَمارك السورية متعاونة ومتواطئة مع هؤلاء التجار، ويستلمون حصتهم من الِرشا. وفي الوقت نفسه مررنا بمناطق في غاية الروعة من الجمال، وخصوصًا منطقة الإسكندرونة، حيث نزلنا في مقاهيها، وكان الأهالي يتحدثون العربية. وقال لي أحدهم: "أنت منين؟" فقلت: عراقي. فقال على الفور: "يا ناس، خلصونا من الأتراك، إحنا عرب."

 

كما مررنا على اللاذقية، وهي بقعة من الجنة – كما يقولون.

طوال الطريق، ومع مضيّ الليل وبدء تباشير الفجر بالظهور، بدأت الأجواء داخل الحافلة تتغير. لم أذق طعم النوم، فحياتي الماضية وحاضري المؤلم ومستقبلي المجهول شغلت تفكيري وطردت النوم من عيني.

(يتبع)