للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 72

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

كنت أجلس في الثلث الأخير من الحافلة، ويبدو أنهم كانوا معتادين على هذه الوضعية؛ فقد تكدست رزم البضائع الكبيرة بحيث لم يعد هناك مجال حتى للحركة. كانت أحاديثهم لا تنتهي، وبعضها لم أستطع فهمه، إذ كانوا يتحدثون بلهجة بدت لي صعبة الإدراك.

كان الفلسطينيون فرادى وأزواجًا، وبعضهم على شكل عائلات من ثلاثة أو أربعة أفراد، محمّلين بالبضائع ليقوموا ببيعها في الأسواق السورية. هؤلاء التجار الصغار متمرسون في أساليب الكسب، وما يرافقها من مراوغة وتهريب لبعض المواد كالمجوهرات والعملات الصعبة وأنواع خاصة من السجائر، وحتى الكحول الذي كانوا يدّعون أنهم لا يتاجرون به باعتباره “حرامًا”.

دخلنا دمشق بعد أكثر من 15 ساعة، وطلبت من مساعد السائق أن ينزلني عند الفندق، فأجاب: “كل الحافلات تتوقف في الساحة التي فيها الفندق… وصلنا”.

شممت رائحة الشرق العربي، وكنت مثقلًا بمشاعر الانكسار والخيبة والدموع؛ فقد غادرتُ بحثًا عن الحزب لألتحق به، لكنه رفض انضمامي لأسباب هي بالحقيقة ضريبة العمل السياسي .

عثرْت بسهولة على الفندق، أو ما يُسمى (فندق)، لكنه في الحقيقة كان أشبه بخان قديم من خانات المسافرين، يعيدك إلى أجواء العهد العثماني والبريطاني والفرنسي كما وصفها الرحالون.

سلّمت على صاحب الخان، رجل وقور متقدم في العمر، ذو وجه بشوش مرحِّب. طلبت أن أنزل لديه، وبعد أسئلة عدة عن مدة إقامتي ومن أعرف هنا، طلب مني جواز السفر لحفظه في خزانته(وهو أجراء معقول في مثل هذه الظروف)، وكذلك أي مبالغ مالية إن وجدت، مقابل إيصال، إلا أنني لم أكن أملك غير الجواز.

رحّب بي بحرارة، ودلّني على مكان نومي في غرفة مفتوحة النوافذ والأبواب، فيها سريران، كان أحدهما يتناوب عليه النزلاء.

في اليوم التالي خرجت لاستطلاع المنطقة، فتعرفت على مقام وضريح النبي يحيى بن زكريا، ولم أدخله. وبجواره كانت مكتبة ضخمة، أُنشئت في موقع يُعرف بالمدرسة الظاهرية، فأصبحت ملاذي اليومي؛ أذهب إليها لاستعارة الكتب والقراءة وقضاء وقت هادئ.

لفتتُ انتباه مدير المكتبة، فسألني عن العراق وثقافته، وعن عبد الرزاق الحسني ومصطفى جواد والشيخ عبد القادر الكيلاني، وكان يكرمني بكوب من الشاي اللذيذ.

وعندما أعود ظهرًا إلى الخان، كنت أراقب صاحب المكان وهو يتأمل حالي باستغراب، وربما كان يدور في ذهنه سؤال واحد: من هذا الزائر؟

وبعد مضي 25 يومًا، طلبني إلى غرفته المتواضعة…

(يتبع)