
أحد أقطاب القوى المتنفذة في النظام العراقي يعترف
ناظم ختاري
مصطلح الطرف الثالث هو الأكثر انتشاراً إلى جانب أيقونة الثورة صفاء السراي ورفاقه الشهداء الذين سقطوا بالمئات، والتك تك بوصفه رمز المهمشين، والمطعم التركي الذي تحوّل إلى غرفة عمليات الانتفاضة، وكراديس الطلبة المنتفضين التي كانت تطرّز شوارع تشرين بنقوش التضحية، وأصحاب القبعات الزرق الذين شكّلوا ظهيراً عملياً للطرف الثالث أثناء انتفاضة تشرين التي اندلعت عام 2019. ومع ذلك ظل هذا المصطلح – وما يزال – الأكثر غموضاً بالنسبة للكثيرين. لم أكن أقتنع بأسباب هذا الغموض، لأنني كنت أعلم علم اليقين أن الطرف الثالث هو مجموع الأطراف الماسكة بالسلطة التي تستميت في الحفاظ على النظام المدعوم إيرانياً، وهي تستبيح دماء شبيبة العراق، رغم أنها بذلت كل ما تستطيع لتمويه الجماهير بأنها تقف إلى جانب الحق الدستوري للمنتفضين وحريتهم في التظاهر والمطالبة بحقوقهم.
أن يُطلق هذا القدر الهائل من قنابل الغاز المسيل للدموع التي استهدفت رؤوس المتظاهرين مباشرة حتى قتلتهم، وأن تُنظَّم حملة قنص تحتاج إلى أماكن مرتفعة ورجال مدرّبين وأعتدة وتغذية وأموال، وأن تُدار غرفة عمليات كاملة لقتل المنتفضين، ثم تقول السلطات إن الفاعل هو "طرف ثالث" لا علم لها بماهيته… فهذا أمر مقرف ومثير للاشمئزاز. بل هو إدانة صريحة لتلك السلطة التي تنفي علمها بهذا القدر من العنف الذي يُرتكب في مدن العراق، خصوصاً في بغداد والناصرية، وكأن القتل كان يحدث في كوكب آخر لا تملك الدولة عليه سيطرة.
لقد قُتل 800 منتفض، وأُصيب أكثر من23 ألفاً بجروح سببت عاهات مستدامة لآلاف منهم. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، إنها شهادة على حجم الجريمة التي ارتُكبت بحق جيل كامل خرج مطالباً بوطن.
منذ ذلك التاريخ، ولحظة خطاب قائد ميليشيا بدر، هادي العامري، تعمدت مختلف الجهات إضاعة وإخفاء الأدلة التي تتهم أطراف السلطة باعتبارها الطرف الثالث. وهذا أمر طبيعي بالنسبة لقوى غاشمة تتمسك بمصالحها ونفوذها في نظام قائم على المحاصصة، معادٍ لمصالح الشعب، وتسعى بكل الطرق لنفي الأدلة التي تجرّمها خلال هذه الفترة.
لكن كل هذا لا يعفي أطرافاً أخرى ساهمت بمواقفها الانتهازية في ضياع تلك الأدلة ووضعها على رفوف النسيان، وبالتالي ضياع حقوق الضحايا وإيصال الانتفاضة الشبابية إلى نتيجة عدمية. ومن بين هذه الأطراف تلك المجاميع التي ادّعت قيادة الانتفاضة، ثم تخلّت عن أهدافها بعد سقوط حكومة عادل عبد المهدي. كان ذلك السقوط مقدمة لأهداف المنتفضين، وليس كل أهدافهم، التي كانت تتمحور حول حلقة مركزية، سقوط النظام. لكن بدل مواصلة الانتفاضة، راحت تلك المجاميع تتخذ كل الإجراءات للمشاركة في الانتخابات إلى جانب نفس القوى التي أنجبت الطرف الثالث وقمعت الانتفاضة بلا رحمة.
هذا لا ينفي أن مواقف القوى الأخرى التي دعمت الانتفاضة كانت ضعيفة، لم تستطع مواكبة طموح المنتفضين في تحقيق هدفهم الرئيس. مواقفها السابقة من العملية السياسية، وافتقارها إلى الجرأة الثورية، كانت كفيلة بعدم مقبوليتها من قبل المنتفضين. كما أن القوى الحاكمة ساهمت في تهميش دور الأحزاب السياسية في الصراعات وعلى الساحة، فرفع المنتفضون كلا كلا للأحزاب، وبقيت الانتفاضة بلا ظهير، بلا قيادة متمرسة، بلا أهداف واضحة، بلا قدرة على انتزاع حقوق الضحايا، بلا قدرة على كشف الطرف الثالث.
ولأن كل ذلك حصل على أرض الواقع، ولم تظهر قوة لردع قوى السلطة على ما فعلته من جرائم، أصبح رؤوس النظام المحاصصاتي يتفاخرون بجرائمهم علناً. ومن هنا يأتي قائد ميلشيا البدر هادي العامري، ويتحدث بكل صفاقة نيابة عن شركائه من أحزاب الميليشيات، ويتفاخر قائلاً.
"المقاومة وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي، وذلك بفضل الدماء الطاهرة لقادة الانتصار."
هذا التصريح ليس مجرد وقاحة سياسية، إنه اعتراف صريح بأن الطرف الثالث لم يكن مجهولاً يوماً، بل كان هو نفسه النظام وأذرعه وميليشياته، الذين اعتبروا الانتفاضة "فتنة"، واعتبروا قتل الشباب "حفظاً للدولة".
إن هذا النظام الذي يتفاخر بقمع شعبه، ويعتبر الدماء الطاهرة للمنتفضين تهديداً لوجوده، هو نظام لا يمكن إصلاحه ولا يمكن ترقيعه. نظام قائم على المحاصصة، على الولاء الخارجي، على اقتصاد الفساد، وعلى قمع كل صوت حر. وانتفاضة تشرين – رغم كل ما واجهته – كشفت هذا النظام كما لم يكشفه أي حدث آخر منذ 2003، وكشفت أن الطرف الثالث لم يكن شبحاً، بل كان السلطة نفسها.
