
المقهى
صالح مهدي محمد
لا يحتاج المرء إلى وقت طويل ليكتشف أن المقهى جزء نابض من حياة المدينة، ووجه يومي يكشف طبائع أهلها وتفاصيل عيشهم. هناك، بين رنين الملاعق، ورائحة القهوة، وأحاديث تتداخل ثم تخفت، يمكن للمرء أن يقرأ المجتمع كما يقرأ صفحات كتاب مفتوح، وإن بقيت بعض صفحاته بلا عناوين.
في المقهى تتجاور عوالم كثيرة بهدوء. رجل يحدّق في جريدته كأنه يبحث عن خبر يخصه شخصيًا، وشاب لا يرفع عينيه عن شاشة هاتفه، كأن العالم كله استقر في ذلك الضوء الأزرق، وآخر يراقب حركة السيارات وذهاب الناس وإيابهم أكثر مما يراقب فنجانه، وكأنه ينتظر حدثًا يتأخر عن موعده.
إنها مشاهد يومية مألوفة، تمر أمامنا من دون أن تتطلب اهتمامًا كبيرًا، لكنها تقول عن الناس وطريقة عيشهم أكثر مما تقوله الخطب الطويلة.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى المقهى بوصفه مؤسسة اجتماعية صغيرة، تظهر فيها الشخصيات من خلال طريقة الكلام والجلوس والحركة. فالرجل الذي يحتل طرف الطاولة يختلف عن آخر يكتفي بكرسي قريب من الباب، والذي يتحدث بصوت مرتفع يرسم لنفسه حضورًا يختلف عن شخص يفضّل الإصغاء ومراقبة الحديث من بعيد.
هنا يختار كل شخص مكانه وطريقته في الحضور. الجميع يتقاسمون الوقت نفسه، والطاولات المتقاربة، ورائحة الشاي والقهوة، لكن لكل واحد منهم حكايته التي يحملها معه ويضع جزءًا منها على الطاولة.
وخلف هذا الهدوء، تجري حياة كاملة من الأفكار والانتظار. كم من مشروع بدأ بحماس ثم بقي حبيس الحديث؟ وكم من شخص جاء إلى المقهى بحثًا عن ساعة هادئة، فعاد محمّلًا بأفكار جديدة وأسئلة أكثر؟
وللمقهى ذاكرته الخاصة أيضًا. ذاكرة لا تحفظ الأسماء بقدر ما تحفظ الإيقاع: وجه الزبون الذي يأتي في الموعد نفسه، وصوت الحديث الذي ينقطع ثم يعود، والكراسي التي تتحرك باستمرار، والوجوه التي تغيب أيامًا ثم تظهر من جديد كأنها لم تبتعد.
هذه التفاصيل الصغيرة تصنع شخصية المكان. فلكل مقهى نبرته الخاصة، ورواده المعتادون، وحكايته التي تتغير كل يوم من دون أن تفقد ملامحها.
وفي زاوية من المقهى قد تبدأ مناقشة سياسية طويلة، وعلى الطاولة المجاورة تدور حكاية عن وظيفة أو سفر أو مشكلة عائلية، بينما يجلس شخص آخر وحيدًا يتابع المارة بصمت. كل هذه الحكايات تجتمع في مكان واحد، وتتحرك بهدوء، كأن المدينة اختارت المقهى مكتبًا غير رسمي لإدارة شؤونها اليومية.
ويبقى المقهى مساحة للقاء، وللحديث، وللتفكير، وللانتظار أيضًا. مكان يمر فيه الناس، ويتركون وراءهم كلمات وضحكات وأسئلة، ثم يمضون، بينما يبقى الكرسي فارغًا قليلًا في انتظار حكاية جديدة.
ويمنحنا المقهى فرصة لرؤية الحياة عن قرب. نجلس، نراقب، نتحدث، نصمت، ونكتشف أن فنجانًا واحدًا قد يحمل أحيانًا أكثر مما تحمله ساعات طويلة من الانشغال.
لكن يبقى السؤال: هل ما زال المقهى كما كان، مكانًا لتجاذب الأفكار والآراء والنقاشات؟ أم أن الحال تغيّر، فتحوّل الجالسون فيه إلى أفراد تجمعهم الطاولات وتفرّقهم الشاشات؟ وهل سيبقى المقهى محتفظًا بدوره القديم، أم أن الزمن سيمنحه وجهًا جديدًا؟
أسئلة تبقى معلّقة، ربما إلى أن يجلس شخص ما أمام فنجان قهوة، ويرفع عينيه عن هاتفه، ويبدأ الحديث.
