
يوميات حسين الاعظمي (1487)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/9
زهـور حسـين المطربة الشعبية
(1924-1964م)
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
اعزائي القراء الكرام. في الحلقة السابقة عن المطربة زهور حسين، تم نشر تعليق الاستاذ عقيل عطرة في متن الحلقة السابقة. والآن انشر لكم اعزائي تعليق آخر من الاستاذ احمد مهدي نكرو بمعلومات جيدة عن الشاعر جبوري النجار ولم توضع مثل هذه المعلومات في كتابي(المقام العراقي باصوات النساء) ولاهمية هذا التعقيب، اضعه امامكم عسى ان تزيدوا من معلومات اخرى واليكم نص تعقيب الاستاذ احمد نكرو.
(((ابو علي تدري بيتي ومطعمي يبعد ١٠٠ متر عن بيت الشاعر المرحوم جبوري النجار ابو ستار الله يرحمه.وكانت تجي عليه زهور من تحتاج الى اغنيه.واتذكر انه كتب اغلب اغانيها واغاني المرحوم ناظم الغزالي رحمه الله وحفظك ابو علي الغالي والوجيه المحترم وبأذن الله من تزورنه ارويلك قصة اغنية غريبه من بعد عينج يايمه وبشهود ستار ابن المرحوم جبوري)))
نعود الآن الى تكملة موضوع الحلقة السابقة عن المطربة زهور حسين.
الى جانب مقامي الدشت اللذين غنتهما زهور حسين، هناك مقام الهمايون الذي اختارت له زهور ثلاث ابيات شعرية جميلة للشاعر السوري خالد زريق.
(اشــــكو الغرام وانت عنـــي غافل/ويجد بــــــــــي وجدي وطرفك هازل)
(يـــابدر كم سهرت عليك نـــــواظر/يــاغــــصن كـم ناحــــت عليك بلابل)
(البـــدر يكمل كل شــــــــــــهر مرة/وهــــــــــلال وجــــهك كل يوم كامل)
هذا المقام يتناظر في تفرده الادائي وجماله مع مقامي الدشت اللذين غنتهما زهور. فقد كانت تعابيرها الادائية خاصة تماما في مزجها لروح التعابير الاقليمية مع روح التعابير العراقية البغدادية..! وهي منصهرة في تعابير امرأةتغني المقام العراقي. انها مضامين تعبيرية جديدة بلا شك. وفي هذين المقامين الدشت والهمايون تبدو زهور حسين في قمة نجاحها الادائي الفني ومن اجملمن غنى هذين المقامين..!
من ناحية اخرى، استقى ملحنوا هذه الحقبة مساراتهم اللحنية وتعابيرهم من الخزين المقامي العراقي البغدادي.كأغنية عفيفة اسكندر ياحلو يا أسمر كلمات الشاعر اللبناني نيقولا فوستاس والحان أحمد الخليل – وغيرها الكثير.
كذلك الشأن مع كتّاب هذه الأغاني. لذلك نرى أن التركيب اللحني والشعري لأغاني هذه الحقبة ومنها أغاني زهور حسين طبعاً. يقودنا إلى فهم سهل للأغنية أو للنتاج الفني الغناسيقي بصورة عامة. وعلى هذا فأن الانسجام الذي يتم في مواد الأغنية(الأداء واللحن والكلمة) وهو ما تحسُّه واضحاً في أغاني زهور حسين، نراه يجبر المتلقي والمتلقية على استيعاب تعابير هذه الأغنية أو تلك. هكذا تكون العلاقة صريحة جداً بين المؤدي والملحن والكاتب وبين جمهور المستمعين. إلى حد يصل فيه المتلقي أن يشعر أنه بمنزلة الفنان الذوقية والجمالية والثقافية..! الفنان الذي يفهم الكثير عن فنه، هكذا الاندماج إذن. خاصة في أغانٍ لزهور حسين كاغنية(غريبه من بعد عينج يايمه) واغنية(خاله شكو) واغنية(تضحكون اضحكلكم) واغنية(سلمه ياسلامه) ومقام الدشت) واغنية(أخاف احجي). ومن جديد يكون هذا التطابق التعبيري أثراً في الكشف عن هذا الانسجام المقنع بين المؤدي وقوة علاقته بالمستمع. وفي الناحية الاخرى فأن هذا الاثر يكشف لنا عن الامكانية الكبيرة في ردم الهوّة الموجودة في انفسنا والخيالات التي نصورها للآخرين.
ان الخيالات التي تزهو بها أغاني زهور حسين من أداء ولحن وكلمات، تتمتع بميّزات جديدة في الاستماع. ويمكن ايجاد تفسيرات لها في المجتمع العراقي المتلقي لها. فهذه التأملات والخيالات تثيرها ظروف العراق الحديث والمعاصر وتثيرها الرجولة، تثيرها الكرامة، تثيرها احترام المرأة. وعندما تحدث الاختلافات في التعابير عن هذه الاسس والقيم، فأن السبب الرئيس يكون في عدم انسجام المؤدي مع اللحن والكلمة المغناة..! أو تنافر الجميع فيما بينهم. عندها يكون النتاج صلباً وقاسياً ومتنافراً لايمكن للمتلقي أن يتواصل معه بطبيعة الحال. ولذلك فأننا نرى من جديد أيضاً، أن تركيب أو انسجام الأغنية فيما بين مكوناتها وعناصرها الرئيسة، في حد ذاته يساعد على تأكيد المعنى وتأكيد التأثير وتأكيد الانسجام مع جمهور المستمعين. ولعل شيئاً رائعاً ذلك الذي تحسُّه في أغاني زهور حسين، هو بساطة الصفة الاحترافية -ليس ضعفاً- حيث لاوجود للتصنع والتكلف في أي شيء يخص فنها. أنها طبيعية وعفوية وبريئه وواضحة. حيث تبدو لنا هذه الشخصية أمراً نادراً في وسطنا الفني..! وعلى هذا ندرك أن في أغاني زهور حسين ماضياً يتصل بالحاضر كما يتصل هذا الحاضر بالمستقبل..! وعلى هذا أيضاً ومن جانب آخر، فأننا نكتشف أن ردود افعال المستمعين إلى أغانِ زهور حسين وتأثيرها عليهم، هي في الحقيقة ليس تأثيراً خاصاً في اسلوب حياة ما، أو طبقة معينة دون غيرها في المجتمع. بل انها تعني المجتمع بكل فئاتـه الطبقيـة والذوقية، أنـه النجاح الكبير فعـلاً.
لقد اشتكى الكثير من النقاد الموسيقيين وكذلك من المهتمين بشؤون الغناء والموسيقى والمقام العراقي، من الظروف الميلودرامية(هامش1)في بعض نتاجات زهور حسين وهم محقون في ذلك كثيراً. خاصة حين أدت أبوذيات وتعابير أخرى في أغانٍ هي في حقيقتها أغانٍ ريفية في وقت توجد فيه مطربات ريفيات يتمتعن بأصالة ريفية وهن أهل لذلك. في حين أن زهور حسين مهما كانت نشأتها الأولى في محافظة كربلاء، فأن جل حياتها كانت في العاصمة بغداد،وبالتالي فهي عاشت في كل الاحوال جل حياتها في المدينة. لذلك فأنها لم تستطع بطبيعة الحال أن تعبر عن ذلك الصدق البيئي العفوي لروح الحياة الريفية. وعليه فهي لم تنل ذلك النجاح الذي يحسب لها في هذا المنحى. ولم تحصل على ما تبتغيه..! استمع عزيزي القارىء إلى تسجيلات زهور حسين في هذا الشأن ثم استمع إلى المطربات الريفيات مثل وحيده خليل وريم وحمديه صالح وغيرهن. ولاحظ أصالة التعابير عن واقع أو حقيقة الحياة، حقيقة البيئة الريفية.
على كل حال، فأن أغاني زهور حسين في معظمها تمثل رواية الواقع الحياتي لبغداد والعراق عموماً وظروفه المعاشة في كل نواحي الحياة. أن أغاني زهور حسين هي امتدادا للأغاني العقلية المقصودة التي نشطت من جديد اواخر القرن التاسع عشر حتى هذه الحقبة من القرن العشرين. والمقبولة مهما كانت الملاحظات الفنية، في معظمها ردود افعال للبيئة سواء المدنية أو الريفية أو البدوية أو باقي البيئات والخصوصيات الاخرى.
لقد نجحت زهور حسين في تزويدنا بعالم خيالي عاطفي غني في أغانيها. ثم التعبير عن محيطها البيئي في كل ذلك بواسطة أسلوب ادائي فني عفوي في الأعم الاغلب. وقد يكون هذا العالم الخيالي صميمياً معبراً عن الواقع بصورة مباشرة. أو ربما يدل على أشياء اكثر حقيقة من المجتمع الذي ألهمها هذه التعابير. لقد كان اداؤها مميزاً بكفاءة عالية، ثم عفويته وبراءته الذي يتخلله حنين الرقة والعطف والشعور الذي لم يذهب هباءً. أن لغتها الغنائية مليئة بالحزن والشجن والخيال والعاطفة والعذاب، أنها مازالت حية.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: الميلودراما- مركبة من كلمتين (ميلوس) وتعني غناء. ودراما الصراع بين ضدين (كالفعل ورد الفعل).
