
الملل
صالح مهدي محمد
للمَلل قدرةٌ عجيبةٌ على إشعارنا به، حتى في الأماكن التي ندفع المال كي نصل إليها. تستطيع أن تسافر إلى مدينة ما، تنزل من الحافلة، تنظر حولك بإعجاب، ثم بعد عشر دقائق تقول لصاحبك: «شنسوي هسه؟».
تنسحب اللحظة الساحرة بسكون، ليحل محلها ذلك الفراغ الذي حملناه معنا في حقائبنا دون أن ندري.
نحن نتذمر من الرتابة كما يتذمر الفقير من الغلاء، ثم نعود إلى بيوتنا لنمارس الرتابة نفسها بكل إخلاص. نشكو من الأيام المتشابهة، ونصرّ في اليوم التالي على أن نفعل كل شيء بالطريقة نفسها، وفي الموعد نفسه، ومع الأشخاص أنفسهم، ثم نستغرب لماذا لم تحدث معجزة!
نستيقظ صباحاً، ونشرب الشاي بالطريقة نفسها، ونجلس في المكان نفسه، ونذهب إلى العمل من الطريق نفسه، ونلتقي بالوجوه نفسها، ونردد الجملة نفسها: «الحياة صارت مملة».
إننا نعيد تصوير الحلقة نفسها كل يوم.
وفي طابور الخبز، نعرف يقيناً أن الرجل الذي أمامنا أخذ مكانه بطريقة غير صحيحة ومستفزة. يبدأ الحديث معه، ثم المشاجرة، ثم المصالحة، ليعود الجميع بعد ذلك إلى الصمت. وبعد دقائق يقول أحدهم: «ملينا من هالعيشة»... وكأنه جاء إلى الطابور بحثاً عن مهرجان ثقافي أو حضور حفلة زفاف!
وفي جلسات الأصدقاء، نحن أبطال الرتابة بلا منافس. يجتمع الجميع، ويتحدثون عن الموضوع نفسه الذي أشبَعوه بحثاً في الأسبوع الماضي. الشخص نفسه يغضب، والشخص نفسه يدافع، والشخص نفسه يقول: «خلونا نغير الموضوع»، ثم يعود هو نفسه بعد خمس دقائق إلى الموضوع ذاته.
وفي بعض الزيارات، تجد ضيفاً يدخل بيتك ويقول: «والله مشتاقين لكم» مع القسم أكيد، ثم يجلس ساعة كاملة وهو يشكو من أن الناس لم تعد تزور بعضها.
أما الضيف الذي يعلن عند وصوله: «لا أتأخر عليكم»، فيجب أن يُفهم كلامه إدارياً على أنه إشعارٌ بإقامة مؤقتة قابلة للتمديد تلقائياً.
وفي المقهي، تجد رجلان يجلسان ساعتين يتحدثان عن أنه «ماكو شي جديد». ولو أخبرتهما أن هناك شيئاً جديداً حدث، لربما انزعجا لأنه أفسد عليهما لذة التذمر من الملل.
حتى الشكوى أصبحت عادة يومية. نشكو من الحر في الصيف، ومن البرد في الشتاء، ومن الغلاء طوال، والزحام عندما نخرج، ومن هدوء الشوارع عندما لا نجد أحداً.
نحن نريد للحياة أن تتغير، بشرط ألا نغير عاداتنا!
نريد يوماً مختلفاً، لكننا نرفض الذهاب إلى مكان مختلف.
نريد أصدقاء جدداً، لكننا نلتقي الأصدقاء أنفسهم في المكان نفسه.
نريد حديثاً جديداً، لكننا نطرح الأسئلة نفسها.
ثم نعود إلى البيت ونقول بحسرة: «ماكو شي بالحياة».
وهنا يصبح الإنسان مدهشاً حقاً؛ يستطيع أن يصنع القفص بيده، ثم يقضي بقية عمره يشتكي من ضيق المساحة.
حتى أيام العطل نقتلها بالطريقة نفسها. ننتظر العطلة طوال الأسبوع، وعندما تأتي نقضي نصفها في النوم، والنصف الآخر في السؤال: «شنسوي اليوم؟».
وحين تنتهي العطلة نقول: «يا ريت لو كانت أطول».
وطبعاً، لو طالت أسبوعاً آخر، لفعلنا الشيء نفسه واشتكينا من طولها.
المشكلة أن الملل لم يعد شيئاً يحدث لنا؛ لقد أصبح شيئاً نمارسه.
نحن نصنع الرتابة، نطعمها كل صباح، نسقيها بعاداتنا، ثم نشتكي عندما تكبر.
نحن أبطالها الحقيقيون، وكاتبو نصها، ومخرجوه، والجمهور الذي يصفق لها كل يوم.
ثم، في نهاية الحلقة، ننظر إلى الساعة ونسأل:
«متى تتغير الحياة؟»
فتجيبنا الحياة بهدوء:«عندما تغيّرون أنتم المشهد.»لكننا نؤجل ذلك إلى الغد.
وغداً، بالطبع، سيكون مثل اليوم تماماً.وهكذا ينتصر الملل مرة أخرى... لا لأنه أقوى منا، بل لأننا نعمل لديه بدوام كامل.
