
الآشوريون في التاريخ- الحلقة 40
أفول نجم الامبراطورية الاشورية
يعقوب أبونا
امتدت الإمبراطورية الآشورية، ولا سيما في زمن آشوربانيبال، إلى مساحة شاسعة جدًا، حتى أصبحت السيطرة على أرجائها والمحافظة على تماسكها أمرًا بالغ الصعوبة. وقد رافق هذا الاتساع ضعفٌ متزايد في القدرة على إبقاء السيطرة الآشورية على تلك المناطق والولايات، إلى جانب الخلافات والنزاعات التي أخذت تتصاعد داخل القصر الإمبراطوري.
وكانت هناك إشارات واضحة إلى هذه الأوضاع في بعض التلميحات التي وردت في المراسلات الرسمية، وكذلك في الصلوات والأدعية الموجّهة إلى الآلهة. ولنقرأ إحدى الأناشيد التي تشير إلى الحالة المؤلمة التي كانوا يعيشونها.
"على وجه الأرض هناك الاختلافات، وفي القصر هناك النزاع، وهذا النزاع وهذه الحالة المؤلمة تلازمني ولا تبرح جانبي، والعصيان والمؤامرات الشريرة تُحاك باستمرار ضدي"...
مثل هذه الأدعية والأناشيد تؤكد النزاع والخصومات التي كانت تدور حول وراثة العرش.
(ص 134، هنري ساغس، عظمة بابل).
وكانت الصعوبة تكمن في احتواء هذه الأوضاع، وفي إمكانية الاستمرار بالسيطرة على المناطق الخاضعة للإمبراطورية الآشورية.
لان تلك الولايات والمقاطعات كانت، من جانبها، تسعى إلى التحرر من نير الآشوريين وتحقيق استقلالها، فأحسّت بأن هذه فرصة مناسبة لاستغلال حالة الضعف والاضطراب داخل الإمبراطورية، فسعت إلى مقاومة السيطرة الآشوري
فالكثير من الولايات كانت تظهر العداوة لاشور ومن بينهم مملكة يهوذا التي كانت عاصمتها اورشليم "القدس"
ولكن كان هناك غيرهم قد قدموا الدعم والمساندة حتى في بابل كان في مدنها الموالين لاشور حتى زمن سقوط نينوى، وقد ظهر ذلك بصفة خاصة في "أيديش" حيث حدث عصيان تاييداً لاشور.
وحسب السرد التاريخي للاحداث ففي 617 ق. م ظهر بان نبوبلاسر قد انهى وجود الحاميات الاشورية جنوب بابل منطقة التقاء دجلة والفرات.
كما زحف على اعالي الفرات الى المنطقة الارامية التي كانت جزء من الدولة الاشورية لمدة تزيد عن قرنين، خاصة "مقاطعة سوحو ومنطقة هندامو"
الا ان خطط نبولاسر للتوسع الى المناطق الاخرى باءت بالفشل، وذلك بسبب أقتراب الجيش الموحد جيش اشور وجيش المصريين، اجبر نبوبلاسر الى الانسحاب الى بابل. فتحرك الجيش الاشوري الموحد الى ولاية اربخا، كانت هذه الولاية قد اسسها تغلات بلاسر الثالث.
وفي عام 615 ق.م، أراد نبوبلاسر الهجوم على آشور ثانيةً، إلا أن تحرك الآشوريين أجبر جيشه على الهروب واللجوء إلى قلعة تكريت. غير أن الآشوريين لم يلحقوا بهم، ولم يستفيدوا من تلك الفرصة.
وهناك قراءات تؤكد أن الآشوريين تلقوا معلومات استخباراتية حول هجوم متوقع من جانب الميديين، ولذلك لم يلاحقوا جيش نبوبلاسر إلى تكريت. وهذا ما حدث بالفعل في السنة التالية، إذ شنّ الميديون هجومًا على ولاية «أربخا» لأهميتها، ولإمكانية اتخاذها قاعدةً للتقدم منها ومهاجمة نينوى. وفي سنة 614 ق.م، شنّ الميديون هجومًا على مدينة آشور، العاصمة السابقة، فسقطت آشور و«تاريبسو» على يد الميديين.
وعندما وصل نبوبلاسر على رأس جيشه إلى المدينة، كانت قد نُهبت وأُحرقت. وتذكر إحدى الحوليات أن جيش نبوبلاسر لم يشارك في تلك الأعمال العسكرية.!
وقد فُسّر عدم اشتراكه في تدمير آشور مع الميديين بأن نبوبلاسر أراد تبرئة نفسه من ذلك الذنب الديني، نظرًا إلى مكانة المدينة بوصفها مركزًا دينيًا مقدسًا ومبجّلًا.
ولكن ذلك لم يمنع نبوبلاسر من التحالف مع الميديين؛ إذ عقد مع الملك الميدي «كي أخسار»، الذي يسميه البعض «كياكسيريس»، تحالفًا واتفاقًا للصداقة، كان بمثابة معاهدة رسمية أقرّها الطرفان.
وهناك روايات ظهرت بعد ذلك تفيد بأن تلك المعاهدة تعزّزت بمصاهرة، من خلال زواج ابن نبوبلاصر، نبوخذنصر، من ابنة الملك الميدي. وكما يقول «برحوشا»، المؤرخ البابلي، فقد كانت ابنة كي أخسار تُدعى «أميتس".
ولو نظرنا إلى هذا الاتفاق وما نتج عنه لاحقًا، ووفق أيٍّ من المعايير الوطنية أو الشرعية أو القانونية أو الأخلاقية، فلا يمكن، بحسب هذا الطرح، إلا أن نشير إليه باعتباره أول اتفاق «خيانة» يتم في بلاد النهرين بين حاكم وطني تابع للحكم الآشوري وحاكم أجنبي، بهدف النيل من الحكم الوطني الآشوري. ويظهر بان ارث الخيانة استمر ليومنا هذا؟!
وتؤكد ذلك رواية «بيروسوس»، الكاهن البابلي الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، والذي كتب باللغة اليونانية عن تاريخ بابل، إذ يؤكد عندما يتحدث عن نبوبلاصر بصفته «متمردًا» ضد سن- شار- إشكُن، حاكم بابل".
وفي سنة 613 ق.م، وبينما كان نبوبلاسر منشغلًا بحصار منطقة «آنا»، ظهر أمامه جيش آشوري، مما أجبر نبوبلاسر على الانسحاب.
ولكن الملفت أن الميديين وقفوا مكتوفي الأيدي، ولم يتحركوا لمواجهة الآشوريين أو لمناصرة نبوبلاسر. (ساغس، ص 138).
ورغم ذلك، استطاع الآشوريون نشر جيشهم على مساحة من أراضي الميديين. ويُفسَّر عدم تحرك الميديين لمناصرة نبوبلاسر، وفق الروايات اليونانية، بأن الميديين كانوا يخشون تعرضهم لخطر جدي من جهة الأسكيذيين «السكيثيين». فلا يُستبعد أن يكون هذا الخطر قد دفع الميديين إلى اتخاذ هذا الموقف، رغم أن الآشوريين استطاعوا نشر جيشهم على مساحة من أراضي الميديين، بل إنهم انسحبوا من بلاد آشور عام 613 ق.م.
ومع ذلك، كانت النتيجة في نهاية الأمر دخول الأسكيذيين في تحالف مع الميديين. وفي عام 612 ق.م، قام تحالف بين نبوبلاصر، وأمانماندا، والميديين. فزحفوا جميعًا نحو نينوى، وبعد حصار دام ثلاثة أشهر للمدينة، وبعد وفاة الملك الآشوري «سن- شار- إشكُن".
وتنقل بعض الروايات اليونانية أنه توفي نتيجة تعرضه للحريق الذي نشب في قصره، وبعد ذلك تعرضت نينوى للنهب والسلب والدمار، وأُحرقت.
وأثناء حصار نينوى، ورد في إحدى الحوليات أن من المعتقدات المتوارثة لدى الملوك الآشوريين أن نينوى لا تسقط إلا إذا اشترك نهر دجلة مع الأعداء في إسقاطها.
وعندما حاصرت قوات التحالف الميدي ـ البابلي نينوى، سأل الملك «سن-شار- إشكُن» مستشاريه عن حال «الخوصر»، وهو أحد روافد دجلة الذي يمر عبر المدينة، فقيل له إنه فاض بشكل لم يسبق له مثيل، وسبب فيضان نهر دجلة، وهدم جانب من سور المدينة، وجرف قسمًا من منشآتها الدفاعية، فاستغل المحاصرون تلك الفجوات للدخول إلى المدينة.
وعندما سمع الملك بذلك، قال: «لا جدوى إذًا من المقاومة، ما دام النهر قد اشترك مع الأعداء ضد المدينة.".
كانت لنينوى دفاعات وحصون لا تُحصى، ولكن ما لم يكن ممكنًا من قبل أصبح ممكنًا بسبب الفيضان.
وفي الإصحاح الأول، الآية 8، من سفر ناحوم الألقوشي، يقول:
"ولكن بطوفان عابر يصنع هلاكًا تامًا لموضعها، وأعداؤه يتبعهم ظلام"..
ويذكر غبريال هانوتو، في الصفحة 13 من كتابه نبوخذنصر عظمة بابل وحريق نينوى، بتعريب فيليب عطا الله:
من خلال الثغرة الواسعة التي أحدثها فيضان دجلة في السور الشمالي، اندفعت جماهير الغزاة الفوضوية منقضةً على نينوى، وانضم إلى هؤلاء الجنود جموع جشعة ومتَعطشة لسفك الدماء. كان الفرح المسعور يدفع بهؤلاء إلى الاعتقاد بأن زمن العبودية قد ولى. دون أن يتبادر إلى أذهانهم بأن ملوكًا آخرين يحلمون بالمجد، وأن مصير الشعوب المغلوبة على أمرها سيكون ثمنًا لهذا المجد".
انتهى الاقتباس..
تمكن بعض الأمراء الآشوريين والعسكريين، من الانسحاب إلى مدينة حاران، التي كانت معقلًا آشوريًا،.
ثم نصّبوا آشور- أوباليط الثاني ملكًا عليهم، بوصفه من الاسرة الملكية الاشورية ..
في الحلقة القادمة : ظهور نبوخذنصر ودوره بالاحداث ..
يعكوب ابونا .............. 8 / 9 / 2026
