للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1489)

التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/11

فــــريدة محمد علي المطربة الفريدة

( 1963- ........ م)

 

من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.

    غنت فريدة مقام الاورفة وهي تترنم بابيات من شعر معروف الرصافي العذبة. وقد نجحت فيه نجاحا كبيرا، حتى اعيد من القناة التلفزيونية مرّات عديدة..! وفيه برزت شخصيتها الفنية وامكانيتها الغنائية. وبه اعلنت عن نفسها مطربة مقامية عراقية بارزة ومؤثرة ضمن مسيرة التجربة النسوية في الغناء المقامي.

     ان مقام الاورفة هذا، الذي غنته فريدة، يعتبر نصراً للتجربة النسوية في الغناء المقامي العراقي. فقد غنته بنجاح وبمقاييس عديدة. بمنهجها القائم على التلقائية في التعبير المقامي التي امتلكتها عفويا من نشأتها وبيئتها. ولدى تكرار سماع هذا المقام من حنجرة هذه الفنانة الموهوبة، لا يجد الناقد بُداً من الثناء عليها احتراما وتقديرا. على الاقل نسبة لتجربتها القصيرة زمنذاك..! ورغم ان  فريدة لم تزل في شبابها. الا انها غنت مقامات عراقية عديدة. اظهرت فيها امكانيتها المبكرة في غناء عدد كبير من المقامات العراقية حتى الرئيسة منها..!

      ومرة اخرى اتذكر، ان فريدة جاءتني الى الدرس وكانت آلة الجوزة بيدي، وتحدثتُ معها حول امكانية صوتها ومحاولة غنائها لبعض المقامات العراقية الرئيسة والكبيرة ذات المساحة الصوتية الكبيرة. وجربنا مقام الحجاز ديوان. فكان في امكانها ذلك..! حجاز ديوان على درجة النوى. ولكنها لم تغني هذا المقام الا عام 2000 في الجزائر.

      هناك ريادة اخرى لفريدة عندما اصبحت مدرِّسة للمقام العراقي في المعهد بعد تخرجها. وكنت قد رشحتها لهذه المهمة بموافقة المدير العام للدائرة الفنان الكبير منير بشير مع آخرين من زملائها الخريجين وهم عوني قدوري وموفق عبد الهادي ومحمود حسين. بعد ان كنتُ قد حصلتُ على اجازة دراسية داخل العراق اواخر الثمانينيات وكان معي في هذه الاجازة زوجها الفنان محمد حسين كمر. وعليه فان فريدة تكون اول امراة تدرِّس المقام العراقي..!

      على اية حال، ان زواجها الثاني من الفنان محمد حسين كمر كان حاجة فنية قصوى لضمان استمرار مسيرتها في تصاعد مستمر. فقد اصبح هذا الفنان مدرِّسا موسيقيا وملحنا مقاميا نادرا، اضافة الى الحانه الحديثة. وعازفا على آلة الجوزة وعدة آلات اخرى وموزعا موسيقيا وقائدا موسيقيا لفرق عديدة وكاتبا للنوتة بصورة ممتازة، انه فنان متمكن وشامل.

  من ناحية اخرى، ان النتاجات الفنية المقامية العراقية التي انجزتها فريدة عقب ادائها الناجح  في مقام الاورفة. كانت تقترب كثيرا في جودتها الفنية والادائية من نجاحها في مقامات اخرى انجزتها تباعاً. وعلى العموم يمكننا القول ان فريدة في فترتها هذه بعد منتصف الثمانينيات، كانت قد اكتسبت فيها الكثير من الثقافة الفنية التي حصلت عليها خاصة من تـلمذتها في المعهد، موسيقية وغنائية. وجاءت هذه الثقافة متنوعة غنية في شكلها ومضمونها وقد سارت في اتجاهين. اتجاه ينطوي على التزامها بالاصول المقامية العراقية التقليدية والتاريخية، وهو ما تعلمته فعلاً من دراسة المقام العراقي لست سنوات واربعين مقاما عراقياً.وهو عدد منهاج هذه السنوات الست التي قمتُ بتدريسها وتعليمها كل هذه الفترة الزمنية. واتجاه ينطوي على تعابير ادائية معاصرة لحقبتها تتطلع الى الانفتاح وتسعى  اليه. والى جانب هذه المقامات العراقية التي اجادت فيها فريدة، فقد تطرّقت الى الاغنية الحديثة، خاصة وان زوجها من اهم فناني العراق في التلحين المقامي والغناء الحديث. ومن هذه الاغاني، اغنية(احلى عتاب) وهي اول اغنية لها كتب كلماتها نزار جواد ولحنها زوجها الفنان محمد حسين كمر. وهي من المضمون التعبيري لمقام الخنبات العراقي. بدأتها فريدة ببيتين من الشعر الفصيح وكان ذلك عام 1985.

لقد كانت المقامات العراقية والاغاني التي سجلتها فريدة بصوتها في عقد الثمانينيات اعتبارا من مقام الاورفة وما جاء بعده. قد صورت الواقع المعاصر في شمول تقريبي وواقعية، وفي اداء نسوي نادر وجميل. والى جانب ذلك، جسّدت هذه المقامات العراقية والاغاني في نفس الوقت، مشاعر واحاسيس الفنانة فريدة متلائمة مع كتابها وملحنيها. حيث ظهرت هذه النتاجات كنسيج مركّب من كل هذه العناصر. فلقد جمعت هذه النتاجات في تناسق وتناسب بين الذاتية والموضوعية في التطوير وبين العاطفة والحياة المعاشة. وهي تروي هذه التأملات من بداية النتاج حتى نهايته. ونحس بكل ذلك في اغنيتها الاولى(احلى عتاب). والى جانب ذلك، لعب الظرف المحيط الذي عاشته فريدة اعتبارا من منتصف الثمانينيات دورا مساعدا في بلورة افكارها وفنها الشخصي، فقد كان المعهد بطبيعة الحال جوّا علميا موسيقيا فنيا بامتياز، يتواجد فيه الكثير من الاساتذة، والكثير من النشاطات الرسمية وغيرها. وكان ذلك قد اضاف لفريدة الكثير في ترصين تجربتها الفنية مما اضفى على نتاجها قيمة محسوبة وفنا جيدا. وهو ما نلاحظه في اغنيتها(عليش تغيب عني).وهكذا كانت ألاغاني الأخرى. كاغنية(ما اصبر) واغنية اخرى من الشعر الفصيح كتبها اسعد الغريري ولحنها ووزعها زوجها محمد حسين كمر. انها اغنية(حبيب الأمس).

    على الإجمال، ان هذه الأغاني التي لحن معظمها ووزعها زوجها الفنان محمد حسين كمر، تعتبر خطوة كبيرة في سلم الابداع التلحيني. خاصة وان هذا الملحن الواعي لتعابير تراثه الموسيقي، كان قد استقى الحانه من صميم التعابير المقامية العراقية. حيث عبّر عن روح هذه المقامات العراقية بألحانه الجديدة الخلابة التي تجسدت في صوت المطربة الناجحة فريدة محمد علي، بأداء فريد، وتعبير متقن.

    انه لمن المؤكد ان لايكون من قبيل المصادفة ان تأتِ نتاجات فريدة المقامية العراقية وهي تؤكد اهتمامها بالشكل المقامي. وهو ما نقصده اهتمامها بالآصول الادائية التقليدية للمقام العراقي(فورم) متماسكة في بنائها التقليدي، وكيف لا يكون ذلك وهي خريجة معهد الدراسات الموسيقية المتخصص بدراسة الموسيقى والغناء التقليدي للمقامات العراقية. اضافة الى انها اخذت على عاتقها مهمة تدريس المقام العراقي من بعدي. ففريدة التي ذاع صيتها في اداء المقام العراقي بعد غنائها لمقام الاورفة 1985 في مسرح الرشيد، الذي جاءت تعابيره واداءه بصورة عامة خطوة كبيرة للامام في مسيرة التجربة النسوية في الاداء المقامي. وهو في نفس الوقت نجاحا كبيرا لفريدة وهي تشق طريقها وسط مؤدين مشاهير كبار. ورغم ان نتاج فريدة ما يزال مستمرا ولم يتوقف بعد. لكنها اعطت للاداء المقامي العراقي والتجربة النسوية نتاجات غنية ومتنوعة، وما زالت مستمرة بهذا العطاء. وقد اصطبغت نتاجاتها المقامية العراقية بصورة عامة بنغمات الحزن والشجن والتطريب التي ليس من العسير فهم دوافعها اذا عرفنا ظروف حياتها التي تتصل بتعابيرها الغنائية.

    ان الاغاني الجديدة التي غنتها فريدة مثل أغنية(احلى عتاب) واغنية(عليش تغيب) واغنية(ما اصبر) واغنية(حبيب الامس) وغيرها. تتميز جميعها بهويتها العراقية في منحاها التعبيري وبنائها اللحني وجمال الكلمات المغناة. وهكذا تكامل انتقاء اللحن والكلام والاداء ذو النظرة الثاقبة في عكس واقع الحياة المعاشة في فترتهم جميعا كشاعر وملحن ومؤد.

 

والى حلقة الجزء الثالث عن المطربة فريدة ان شاء الله.

 

 

صورة 1 / حسين الاعظمي.

 

 

صورة 2 / في مسرح بئر الاحجار بتونس اذار 1992 بعد نهاية حفلة مهرجان المدينة الثامن. الواقفون في الامام، وليد خالد حماديوفريدة ونواف عدوان واحد الشخصيات التونسية وحسين الاعظمي وخـلفهم الفرقة الموسيقية  منذر القلعي ووسام ايوب ومحمد كمر وبهاء عبد الرزاق والفنان التونسي صلاح المانع ومحمد علي والد فريدة.

 

 

صورة 3 / المطربة المعروفة فريدة محمد علي.