للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 80

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

ختم الموظف المختص في وزارة التعليم العالي البلغارية جميع الأوراق بختمٍ مكتوب باللغة البلغارية، ثم استنسخ نسخة احتفظ بها، وأعاد إلينا الأصول بعد أن وضع كل معاملة في ظرف مستقل. أغلق كل ظرف وختمه، ووضع عليه رقماً، ثم قال بإنكليزية واضحة:

"اذهبوا إلى الملحقية الثقافية العراقية...!!!"

سألني أخي، وقد بدت على وجهه علامات الحيرة: ماذا قال؟

ترجمت له كلام الموظف، فشعرنا نحن الثلاثة بالدهشة والارتباك. عندها سأله صلاح:

"طيب، وما علاقة الملحقية بنا وبدراستنا؟"

أشار الموظف إلى أكوام الظروف وقال:

"كلكم هكذا… يجب أن تمر معاملاتكم عبر الملحقية الثقافية العراقية. هذا شأن بين الوزارتين العراقية والبلغارية. إلى اللقاء."

ثم نهض ليغادر مكتبه، متجنباً المزيد من الأسئلة التي بدت له وكأنها غير ضرورية أو حتى تافهة.

في خطواتنا الأولى ونحن نبتعد عن المكتب، قال أخي وصلاح بصوت واحد:

"يعني شنو اللي بيدنا؟ وشنو اللي راح يصير؟ فلنذهب."

اتفقنا على الذهاب في اليوم التالي، بعد أن يتأكد صلاح من عنوان الملحقية. وفي المساء جاءنا ليخبرنا بضرورة الحضور مبكراً بسبب الازدحام الشديد.

وبالفعل، ذهبنا مبكراً، وحين وصل دورنا استلم موظف الملحقية المسؤول عن استقبال معاملات الوافدين الجدد، وختم كل ظرف، وسلمنا وصل استلام قائلاً:

"حين تسمعون أخبار القبول، تعودون… مع السلامة."

كان الأمر لا يحتاج إلى تفكير عميق، إذ بدا وكأن هناك اتفاقاً – معلناً أو غير معلن – بين الحكومتين العراقية والبلغارية على هذه الإجراءات.

بعد أن اطمأن أخي على تسجيلي في الدراسة، وقد وعدته أنني إذا لم يظهر اسمي ضمن المقبولين فسأعود إلى بغداد لأنه لم يعد لدي خيار آخر، قرر العودة هو أيضاً، فهو صائغ ولا يستطيع ترك محله لفترة أطول.

أخذناه أنا وصلاح للتسوق له ولعائلته، ولبعض ما يرغب به لأحبابه، ثم حجزنا له على الخطوط الجوية العراقية رحلة إلى بغداد بعد يومين.

غادر أخي ودموع الحسرة تملأ عينيه، وبقينا أنا وصلاح نعدّ الأيام، نحاول أن نتعلم اللغة بجدية أكبر، مستفيدين من معرفتي ببعض كلمات اللغة اليوغسلافية التي تعلمتها سابقاً، فهي قريبة من البلغارية والروسية.

وفي أحد المساءات ذهبنا إلى صالة الاحتفالات في فندق "بليسكا" لمشاركة إخواننا السودانيين احتفالهم بمناسبة وطنية خاصة بهم.

وفي زوايا الصالة والفندق رأيت عشرات العراقيين والعراقيات وهم يبذّرون أموالهم برعونة، فخطر ببالي حينها أن أؤسس "جمعية مقاطعة بليسكا".

(يتبع)