
يوميات حسين الاعظمي (1490)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/12
فـريدة محمد علي المطربة الفريدة
( 1963- ........ م)
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
اما في المقامات العراقية، فقد انجزت فريدة غناء مجموعة منها لم يسبق لاي مطربة مقام عراقي ان ادت بهذا العدد وهذا الالتزام بأصول المقامات التقليدية(فورم). انها خطوة كبيرة في مسيرة التجربة النسوية. ثم ان فريدة لم تكتف بالعدد الكبير في ادائها للمقامات العراقية، بل انها ادت مقامات عراقية صعبة الاداء..! او بالاحرى غنت بعض المقامات العراقية الرئيسة. مثل مقام الحجاز ديوان ومقام العجم عشيران اضافة الى مقامات مهمة اخرى مثل مقام الخنبات ومقام المخالف ومقام النهاوند ومقام الشرقي رست ومقام البنجكاه ومقام الشرقي دوكاه ومقام الدشت ومقام اللامي ومقام الكرد ومقام الحجاز كار ومقام الحويزاوي ومقام الهمايون ومقام المدمي ومقام الاوج ومقام الحكيمي ومقام الاوشار ومقام الجمال وغيرها. مع ادائها لقالب الشعر مع الابوذية من سلالم موسيقية مختلفة مثل البيات والصبا والحجاز والسيكاه. وهذه المقامات العراقية تميزت جميعها بتعابير المرأة العراقية المعاصرة.
في العقد الاخير من القرن العشرين، الذي كانت فريدة فيه قد احترفت الغناء وانطلقت الى العالم بعد سعيها الحثيث في تنمية ثقافتها وتجربتها في عقد الثمانينات. استطاعت ان تغني في بقاع كثيرة من العالم وبأشهر المهرجانات الدولية رغم فترة الحصار الظالم الذي فرض على بلدنا. وعلى هذا الاساس تكون فريدة في هذا العقد من اواخر القرن العشرين قد وصلت الى ذروة نضوجها الفني حتى هاجرت وعائلتها وفرقتها الموسيقية الى هولندة واستقرت بهم الحياة هناك حتى اليوم. ومن هناك بدأت مرحلة جديدة من النشاط الفني واقامة الحفلات الخارجية والمشاركة في المهرجانات الدولية. وفي هذه السنوات التسعينية غنت فريدة مقام الاورفة مرة ثانية ولكن بقصيدة اخرى لشاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري وهو يتغنى بدجلة وبغداد. ثم اغنية مناسبة هي الاخرى تتغنى بنهر دجلة الخالد.
وقد أبدعت فريدة في هذا المقام العراقي كما كانت في ادائها في مقام الاورفة الاول في الثمانينات. وكذلك غنت مقام الحكيمي وقالب الركبانية التي اسهبت فيها على غير المعتاد، حيث تؤدي الركبانية عادة في اخر مقام الحكيمي وبآخر شطرين من شعر الزهيري المغنى ولكن فريدة فعلت كما فعل المطرب الكبير ناظم الغزالي من قبل، حين ادى الركبانية بمعزل عن شعر الزهيري المغنى في مقام الحكيمي واتبعه بعتابات اخرى بقالب الركبانية..! وهكذا كان الامر عند فريدة حيث سارت على نفس المنحى هذا فغنت الركبانية ببعض العتابات بعد ادائها الشعر الزهيري الذي خصصته لمقام الحكيمي الذي كتبه نزار جواد.
في مقام الخنبات المؤدى اصلا من قبل مطرب الاجيال محمد القبانجي والقصيدة الشهيرة للشاعر خضر الطائي. غنت فريدة هذا المقام وهذه القصيدة وهي تعبر عن غربتها وبعدها عن الوطن، فكان اداؤها دواء لداء.
وبشعر الزهيري، كتب لها الشاعر زاهد محمد زهدي شعرا مناسبا أدته في مقام حجاز كار كرد .
وفي مقام اللامي المؤدى هو الاخر من قبل مطرب الاجيال محمد القبانجي بالقصيدة ادناه وقد اعادته فريدة لحلاوة هذا المقام ولكن بتعابير امرأة تعبر عن الحنين الى الوطن وهي بعيدة عنه في غربتها.
لعل إنجاز فريدة الأهم في كل مسيرتها المقامية هو غناؤها لمقام الحجازديوان الذي يعد من المقامات الرئيسة والصعبة في سلسلة المقامات العراقية التقليدية الصارمة في اصولها المتبعة، وهو نفس المقام ونفس القصيدة المؤدى اصلا من قبل(المؤلف، حسين الاعظمي). بقصيدة الشاعر البهاء زهير.
وبهذا المقام تكون فريدة قد تجاوزت كل سابقاتها من المؤديات المقاميات اللواتي لم يسبق لهن ان غنين مقاما بهذا الحجم وبهذه الامكانية. فكان إضافة كبيرة تضاف الى مسيرة التجربة النسوية في الاداء المقامي، يضاف الى ذلك ان فريدة قد غنت مقامات أكثر عددا وأفضل نوعية(هامش1).
لقد اجتذبت مثل هذه المقامات العراقية الرئيسة اهتمام المطربة المجتهدة فريدة محمد علي، لا لكونها تمثل تحديا لكل المؤديات اللواتي سبقنها، بل ايضا لوفرة امكانياتها الصوتية التي تتسع لأداء مثل هذه المقامات العراقية. وعندما التقيتُ بالفنان محمد حسين كمر في مطار ديغول بباريس ونحن نتوجه الى مهرجان سان باولو بالبرازيل في نيسان 2001، وكان قادما من امستردام لينضم الى فرقة الكندي التي ستكون برفقتي في حفلاتي بالمهرجان، اثنيتُ على هذه الاعمال المقامية، وطلبت منه نقل تشجيعي هذا الى الفنانة النشيطة فريدة لمواصلة السير على هذا المنحى واستغلال صوتها المقتدر في اداء مقامات عراقية اخرى كمقام الرست ومقام النوى وباقي المقامات العراقية الرئيسة الاخرى الزاخرة بالاصول التقليدية التاريخية. وبذلك تُثبت فريدة بانها على قدر كبير من الجرأة والمثابرة والقدرة على خوض المغامرة وهي على وعي كامل بامكانياتها كما يبدو.
ان التعابير المقامية في اداء فريدة، تبرز بكل خصائصها الاقليمية وملامحها المميزة، ولكن بالرغم من كل ذلك، انها تكثر في غنائها للمقامات العراقية الفرعية، خاصة بوصفها مقامات عراقية فيها جزء وافر من حرية التصرف الادائي الخاص لبلورة مسارات لحنية ملائمة ومن صلب المقام المغنى. تكثر فريدة فيها من الصيحات الغنائية العالية، بمناسبة وبغير مناسبة، وكأنها تريد ان تقول ان امكانيتي الصوتية قوية وتصل الى طبقات عالية.
وهذا هو استعجال واضح في اظهار الامكانيات التي هي من حق أي مغني ابرازها، ولكن الحكمة في البناء اللحني مطلوبة، بل ضرورة من ضرورات الاداء الناجح. فلا بد اذن من وضع هذه الصيحات وحتى القرارات في اماكنها الفنية والذوقية المناسبة. ارجو ان تنتبه لذلك وقد سبق وان قلتُ لزوجها اخي الفنان محمد ذلك اكثر من مرة.
ان اسلوب فريدة الغنائي الذي تجسّد في غنائها للمقامات العراقية والاغاني التراثية والحديثة، قد لقي تطوراً بمرور الزمن وزيادة التجربة والخبرة واتساعا في شهرتها لدى جمهور واسع من معظم فئات الشعب. وسنرى كيف ان البعد او القرب من الجمهور يصبح مقياسا لقيمة الفنان في الكثير من النتاجات الفنية.
تميّزت لغة الاداء عند فريدة بتعدد النغمات، اذ يطغى تارة الطابع الانفعالي وتارة اخرى الطابع الرومانسي الحالم، وفي احيان اخرى النغمة الحزينة. وارتبطت هذه التنوعات في لغة ادائها بتنوع الموضوعات الشعرية وتنوع الظروف النفسية والاجتماعية. وبذلك تكون فريدة قد فتحت طريقا جديدا امام تطور الاداء المقامي.
لقد جسّدت فريدة في لغة وفن ادائها المقامي العراقي، الخصائص المهمة في المذهب الواقعي. ولكنها اظهرت باعا متميزا وميولا ربما نفسية بحتة نحو هذا المذهب. لذلك تحسُّ وانت تسمعها، الى انها بصدد التركيز على الخصائص المهمة فيه، وتركيزها لا يحدث على حساب الرومانس الحالم اكثر منه في الاتجاهات الذوقية الاخرى.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: في ايلول عام 2000 ذهبت الى فرنسا بدعوة من مهرجان ليون بمفردي حيث كان عازف القانون الفرنسي جوليان فايس قد هيّأ لي فرقة الكندي المكونة من عازفين من سوريا ومصر وفرنسا للمشاركة في هذا المهرجانومن العراق كان الفنان محمد حسين كمر القادم من امستردام محل اقامته، الذي اسمعني تسجيلا صوتيا بصوت الفنانة فريدة وهي تغني مقام حجاز ديوان. وهو نفس المقام المؤدى من قبلي منذ السبعينات. وقد كان محمد فرحا بهذا الإنجاز. ولكنني وجدت فيه بعض النواقص الاصولية التي لا بد من الانتباه اليها. وبعد مهرجان ليون ذهبت الى امستردام. والتقيت بمحمد وفريدة فسجلت لهما المقام كاملا موضحا تلك الملاحظات لكي تغنيه فريدة مرة اخرى بصورة مكتملة. وهكذا غنت فريدة هذا المقام بعدئذ في الجزائر وقد سمعته عندما التقيت باخي محمد مرة اخرى في مطار شارل ديغول ونحن نتوجه الى مهرجان ساو باولو في نيسان 2001 بالبرازيل ومع نفس الفرقة وقد زيد عليها عازف العود على الامام وفي هذا التسجيل كانت فريدة قد أدت هذا المقام كاملا في حفلتها بالجزائر.
صورة 1 / حسين الاعظمي في 21 /6 /2011 عمّان بالعباءة الاردنية والسدارة العراقية.

صورة 2 / المطربة فريدة محمد علي.

صورة 3 / تونس اذار 1992 شارع الحبيب بورقيبة من اليمين السيد محمد علي وبهاء عبد الرزاق وحسين الاعظمي ووسام ايوب ومحمد كمر وفريدة.
