للذهاب الى صفحة الكاتب   

إتيكيت الشارع بين المدنية والعشوائية

صالح مهدي محمد

 

 

ربما نراها أبنيةً شاهقة تحاول موازاة السحاب، كما نراها شوارعَ ممتدةً نظن أنها تجاور الأفق، لكن قبل هذا وقبل ذاك، لا تبرز قيمة المدينة إلا من خلال السلوك اليومي البسيط الذي يمارسه الإنسان بمجرد أن يطأ بقدمه عتبة بيته الخارجية. فالشارع ليس مساحة محايدة أو أرضًا بلا صاحب، بل هو المرآة الصادقة التي تعكس المستوى الحضاري لأي مجتمع، والتعبير الفعلي عن مدى احترام الفرد للمجال العام وللآخرين الذين يشاركونه هذا الفضاء.

 

في تفاصيل حياتنا اليومية، نقع كثيرًا في فخ الاعتقاد بأن الحرية الشخصية تنتهي فقط عندما نتسبب بضرر مباشر وصريح للآخرين، بينما الحقيقة أن العشوائية تبدأ من الإخلال بالذوق العام وتجاهل التفاصيل التي قد نراها «صغيرة». فالالتزام بالطابور عند انتظار الحافلة، أو خفض صوت الهاتف المحمول في الأماكن العامة، أو عدم إلقاء أبسط الأشياء من نافذة السيارة، ليست مجرد كماليات شكلية أو تصرفات يمكن أن يقال عنها إنها صغيرة، بل هي الفاصل الدقيق بين مجتمع مدني مدرك لشروطه، وآخر تسوده الفوضى والعشوائية.

 

إن «إتيكيت الشارع» ليس بضاعة مستوردة، ولا تقاليد معقدة تتطلب تدريبًا خاصًا، بل هو ترسيخ لقيمة بسيطة وحاسمة: مراعاة وجود الآخر. عندما يفسح السائق المجال لرجل كي يعبر الشارع، أو عندما يمتنع البعض عن التطفل بالنظرات والأصوات، فإننا لا نطبق قواعد صارمة بقدر ما نبني ثقافة احترام متبادل تخفف من حدة التوتر والمشاحنات التي باتت تميز الفضاءات العامة.

 

الشارع، في النهاية، هو البيت المفتوح للجميع؛ وكل سلوك فردي يصدر فيه يتراكم ليصنع الانطباع العام عن المدينة وسكانها. وتحويل الفضاء العام إلى مكان آمن ومريح للجميع لا يتطلب قوانين صارمة بقدر ما يتطلب إدراكًا بأن احترام الفضاء العام جزء لا يتجزأ من احترام الذات، وأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق الحقيقي بين سلوك مدني راقٍ وعشوائية ترهق الجميع.