
من رحم النضال- للتأريخ/ 82
د. مزاحم مبارك مال الله
في اليوم الأول لبدأ الدوام في معهد جمال عبد الناصر لتعلم اللغة تم توزيعنا على الصفوف وكنت في صف هو خليط من عراقيين ويمانيين جنوبيين وأثنين من لاؤوس وواحد من زمبابوي .
ميزتني المعلمة كوني أعرف قليلاً من اللغة اليوغسلافية القريبة من البلغارية فأستفادت مني في ترجمة بعض الكلمات .
فعلا ًكنت جاداً بالدراسة وبدأت منذ اليوم الأول في تعلم الحروف وكتابتها.
وأيضاً كنت اشعر بتميز حالي عن بقية الطلبة العراقيين (وتحديداً اؤلاءك الذين جاؤا بقبول خاص وأقصد عن طريق الحزب الشيوعي) سواء بالصف او في عموم المعهد خصوصاً أثناء فترات الاستراحة.
الطلبة العراقيون ثلاث أصناف ..الاول وهم المقبولين بالدراسة عن طريق الحزب الشيوعي وكنت انظر اليهم بعين الحسد والحسرة والالم والشوق الكبير .الثاني وهم البعثيون وكنت اشعر بهم انهم نفايات المجتمع بكل ما تحمل مشاعري ضغينة ضدهم منذ أن كنت صغيراً (طالب أبتدائية في 8 شباط 1963 في البياع) وحتى تلك الساعة (الأيام الأخيرة من عام 1979 وهي العام الثاني من هجوم البعث اللعين على الحزب وعلى الوطنيين والديمقراطيين) اما الصنف الثالث فهم المستقلون القادمون للدراسة على الحساب الخاص وهم الأغلبية طبعاً .
في اليوم الثاني بدأت اشعر بحركات غير طبيعية تجاهي من قبل الطلبة الشيوعيين سواء بالنظرات أو بالوقوف في باب الصف وهنا حقدت على الدنيا وما فيها فجميعهم أصغر مني وأستطيع ان اجزم ان أي منهم لم يقدم لإتحاد الطلبة او للحزب مثل ما انا قدمته .
الدوام في المعهد على قسمين ( 7 ص – 1 ظ) والثاني ( 1 ظ – 7 م) وكلٍ حسب اختيار الوقت المناسب له.
إنتهى دوام اليوم الثاني وكنت محتقناً جداً بسبب سلوك هؤلاء (الرفاق !!) والذين لست متأكداً إن كانوا يعرفون تأريخ الحزب ..فمشيتُ بأتجاه المتنزه المقابل لضريح ديمتروف وجلست على احدى المصاطب ..استرجع تأريخي ومسيرتي وآلامي وعملي واندفاعي وحبي للوطن والحزب وتضحياتي وهدر عامين من عمري الدراسي وانخراطي في الجيش وحفاظي على الشيوعيين المساقين للخدمة حينما كنت اخبئ طلب المعلومات تحت البيرية واحرقها في تنور البيت ..استرجعت معاركي الفكرية مع المرتدين والمتجاوزين ..واستذكرت أبو باز وأبو جاسم وباسل الصفار ..مررت على محطة براغ الملغومة بأناس لا يستحقون حمل لقب الشيوعي وكذا الحال في صوفيا ..كيف قضيت أيام دمشق والعذاب الذي سببته لأهلي مرات عدّة..
ولأول مرة شعرت بأنهيار قواي فبكيت بكاءً مراً – كما يقولون – وبصوت كان مسموع ..
في هذه الاثناء دنى مني شخص ضعيف البنية في منتصف الاربعينيات من العمر يرتدي بالطو مطري بلغاري ويضع على رأسه قبعة بلغارية ، يضع على عينيه نظارة غامقة بحيث ضاعت ملامحه ..وسألني بالبلغاري : "كم الوقت رجاءً" ..فقلت آسف لا اعرف لا أحمل ساعة ..فقال بالعربي!! ..شكراً...وتركني
واضح أنها رسالة لي شخصياً (وربما لغيري ايضاً) ..فخطر ببالي انه رجل أمن او مخابرات ليقول لي ..نحن نتابعك ..
(يتبع)
