
من رحم النضال- للتأريخ/ 87
د. مزاحم مبارك مال الله
كانت ساحة المعركة فيها الهياج والعبث بكل شيء مما اضطر الشرطة الى الإمساك بأي شخص وخصوصاً الطلبة وهم المعروفين من مظهرهم وصار القاء القبض عشوائي (يلمون كل الأشخاص).
بقيت متسمّر بمكاني وصلاح اختفى .. مسك بي الشرطيان ووضعاني في سيارة تشبه الكيا وأغلقا الباب.
أوضاع إرهابية، حاولت أن اشرح للشرطي وضعي الصحي فلم يستجب.. اذن انا قيد الإعتقال.. يالسخرية الزمن والتأريخ.
لم اكن لوحدي في هذه السيارة بل كان هناك اخرون لا اعرفهم ولم يسبق لي ان رأيتهم او حتى صادفتهم.
سارت السيارة المظللة مسافة ليست قريبة صعوداً ونزولاً – وقد تكدست امام ناظري اثناء مسير هذه السيارة كل الصور والمواقف التي اوصلتني الى هذه المرحلة معاتباً في داخلي الحزب الذي ادخلني رفاقه القياديين هذه المتاهات في محيط متلاطم الأمواج لا اعرف مصيره الى ان فتحت بوابات ضخمة، ولجت السيارة الى داخل باحة عرفت انه سجن من سجون صوفيا مبني من حجر ضخم اسود اللون وكأنه من بقايا الاستعمار العثماني.
اخذونا بلا قيود مجرد انهم كانوا يسيرون بجانبنا ويتحدثون معنا باللغة البلغارية امشي من هنا وتعال من هناك، ادخل ..الخ الى ان وصلنا ممر طويل تطل عليه أبواب مجموعة غرف (مكاتب).. وسمعت مناوشات كلام بذئ بين مجموعتين إحداهما هم شيوعيون وانا اعرف بعضهم وكانوا ينظرون الي بأزدراء.. والمجموعة الثانية هم شرذمة البعثيين.. ويبدو ان هاتين المجموعتان كانتا ممن تصادمتا لأن أنا ومن كان معي لم يضمونا الى هذه المجموعة ولا الى تلك.
بقيت يومان في التحقيق جلبوا لي في بادئ الامر مترجمة يبدو لي انها عربية الأصل (سورية او فلسطينية أو لبنانية لا اعرف) ثم استبدلوها برجل .. وكانت المفاجأة ...!
فكان هذا الرجل هو نفسه الذي سألني عن (كم الوقت) في المتنزه حينما اختليت بنفسي ذات يوم، فقلت له.. أهو انت؟ فقال نعم.. هذا هو شغلي وباللهجة العراقية..!
كان التحقيق ينصب على اخذ معلومات حول النفط العراقي وأين تذهب أموال النفط ...الخ
اندهشت واستغربت وتألمت فقد شرحت لهم اني من عائلة شيوعية وسردت لهم كل تفاصيل حياتي وكان مسجل الصوت يسجل وكنت أأمل ان يتضامنوا معي وكان هذا اخر امل وهو تضامنهم معي ..!
ولكن يبدو اننا نحن الشيوعيين العراقيين رومانسيين أكثر من اللازم .. فلا تضامن ولا هم يحزنون ..
طلبت منهم احالتي الى الطبيب كوني مازلت اعاني من اعراض مرض ذات الرئة وأتصبب عرقاً الا ان المترجم العراقي كان اقسى منهم .
(يتبع)
