للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1493)

مقاميون بلا حدود/ 3

عبد الفتاح معروف الكرخي الفنان الديني والدنيوي

(1881–1989)

 

ملف توثيقي عن تاريخ الشيخ عبد الفتاح معروف القارئ والمؤدي للقرآن الكريم والمقامات العراقية الدنيوية. بمناسبة ذكرى وفاته(36).

 

من كتابي (الطريقة الزيدانية في المقام العراقي) الصادر في كانون ثاني 2013.

 

عُرف المقامي الكبير الشيخ عبد الفتاح معروف الكرخي قارئا للقرآن الكريم، وممارسا لكل الشعائر الدينية كالمناقب النبوية والتمجيد والمدائح النبوية والتهاليل فضلاً عن تلاوته للقرآن الكريم. وعُرف كذلك بغنائه للمقامات العراقية حيث كان من اوائل من سجلت له الشركات الانتاجية الاجنبية في عشرينات القرن المنصرم اغانٍ ومقامات عديدة..! وقد كتب الله له عمرا مديدا ناهز (108) سنة. وفي حقبته الزمنية ازدهرت المنقبة النبوية الشريفة في بغداد مطلع القرن العشرين من خلاله وبعض من معاصريه الأفذاذ امثال الحافظ خماس قدور والملّا مهدي الحافظ (1894-1959) الذين تُلمذوا على يد الملّا الشهير الشيخ عثمان الموصلي. فقد كان للمنقبة النبوية الشريفة اصولاً دقيقة وشكلاً ومضموناً مهيباً. وجماهير غفيرة بحيث كانت المناقب النبوية تبدأ من اول الليل وتستمر حتى أذان الفجر من صباح اليوم التالي..!

 

    ان عالم الملّا عبد الفتاح معروف الخيالي الحالم، كعالم القدماء الذين سبقوه. يعتمد على ايمانه بالمباديء الاخلاقية في الفن والحياة. ولكن باسلوب جديد في التعبير ذا منحى خاص. شأنه شأن الواقعيين. حيث رأى الملّا الشيخ عبد الفتاح معروف طبيعة الطرق الأدائية، سواء اكانت مضامينها جيدة ام غير ذلك.انالمؤدي لم يكن يعتمد كثيرا على آراء ووجهات نظر فنية..!من وجهة نظره على الأقل، خاصة ما ندركه من خلال النتاجات الأدائية في تلاوة القرآن الكريم او الشعائر الدينية او المقامات العراقية الدنيوية. اذ يتضح ذلك بواسطة طريقة الأداء وخصوصيتها. ان الملّا عبد الفتاح معروف لم يمتهن حِرفته بمقدار ما أكد على ضرورة ممارسة هوايته الأدائية وتعمقه في ايمانه الديني ومن ثم ادراك انسياب الحياة الطبيعية المتزنة. ونتاجاته الأدائية الدينية والدنيوية، ليست شكلية بالمعنى المجرد لشكل المقام العراقي (form) كاداء معاصره المؤدي عبد الوهاب البناء (1911-1988م)(هامش1) كما انها ليست عديمة الشكل مثل بعض المقامات العراقية التي اداها امثال المؤدي محمد العاشق(هامش2).

      ان اداء الملّا عبد الفتاح معروف للمقامات العراقية بشكل عام، اداءات موضوعية اكثر منها تركيبية..! وباسلوبه الخاص المميز، وبذلك كان اقل تكلُّفاً في غنائه لشكل المقام العراقي من غالبية مؤدي عصره الجيدين الذين يقتربون من مستوياته الفنية. كالمغني نجم الشيخلي(1893–1938م) والحافظ مهدي والحاج يوسف كربلائي (1897 -.......) والحاج جميل البغدادي (1867–1953م) والسيد جميل الأعظمي (1902-1967). وقد قال الملّا عبد الفتاح معروف مرة(ثم اخذتُ اشق طريقي، وكنت احرص على ان اعطي القراءة حقها في حسن الأداء)(هامش3) وتحدث عنه الشيخ جلال الحنفي في زاويته الأسبوعية(في الأسبوع مرّة) بجريدة الاتحاد وبمناسبة رحيله(ان الملّا عبد الفتاح معروف الكرخي كان الوحيد في المقرئين البغداديين وغير البغداديين في سعة الثقافة الدينية. اذ كان يفهم معاني ما يقرأ من كتاب الله. في حين ينعدم ذلك في سائر الذين يتولون قراءة القرآن الكريم من مقرئي العالم الأسلامي..! وهذا يعني ان الملّا عبد الفتاح خرج من اطار احتراف التلاوة الى اطار علماء الفقه والشريعة. ولقد عرض عليه ان يُعين اماما في المساجد فابى ذلك، اذ وجد ان الامامة على عـــظم شرفها هي من اثقل الهموم)(هامش4).

لقد كان الشيخ عبد الفتاح معروف في نتاجاته المقامية العراقية الدنيويةرغم قِـلَّتها. من اولئك المؤدين الجيدين في حبكة وتماسك الأسلوب ومادة الموضوع. وذلك في مقاماته المسجلة بصوته كمقام الأورفة ومقام الخنبات ومقام المثنوي وغيرها. وعليه فقد كان اكثر اخلاصا للخبرة الأدائية.

في احدى اللقاءات الصحفية الأخيرة للمطرب الراحل محمد القبانجي تحدث عن الملّا عبد الفتاح معروف فقال (لقد آلمني كثيرا واحزنني وفاة صديقي العزيز شيخ قراء القرآن الكريم عبد الفتاح معروف الذي انتقل الى جوار ربه قبل فترة وجيزة وهو قاريء مقام ممتاز اضافة الى قراءته للمناقب النبوية، كنا نقرأ المواليد النبوية معاً. هو يأخذ دور الملّا وانا دور القارئ. فهو اول من سمعني اقرأ في احدى المناقب النبوية وابدى اعجابه بصوتي وقال لي بأنك موهوب وسيكون لك مستقبل عظيم)(هامش5).

    في الوقت الذي تراجعت فيه شهرة الملّا عبد الفتاح معروف في العقود الأخيرة من القرن العشرين عن القمة التي بلغتها في العقود الأولى من هذا القرن ونتاجاته الأثيرة في الأداءات الدينية والمقامات العراقية الدنيوية التي سجلها على اسطوانات الكرامافون لتقدمه في العمر. الا انه لم يصب هذه الشهرة الاهمال التام الذي يصيب اعمال ونتاجات بعض المؤدين المقاميين من معاصريه. كنتاجات المؤدين عبد الوهاب البناء ومجيد رشيد ومحمد العاشق وهاشم الرجب. ولعل هؤلاء المؤدين وآخرين غيرهم بما في ذلك الملّا عبد الفتاح معروف. يستحقون اهتماما اكثر مما يلاقون اليوم، فاذا لم يكن باعتبارهم مؤدين لبعض المقامات العراقية ذات الأهمية والقيمة البالغتين، او باعتبار بعضهم مثل الملّا عبد الفتاح معروف من المؤدين الممتازين في الأداءات الدينية، خاصة وقد توّجته الجماهير بشيخ القراء العراقيين في حقبته الزمنية.

 

وفيما يتعلق بمعرفته لهذه الأداءات الدينية يقول الملّا عبد الفتاح معروف (الواقع انني تأثرت بالملّا جاسم محمد سلامة، ولكن من حيث القواعد والأصول والأنتقالات النغمية، استفدتُ من الملّا عثمان الموصلي الذي منحني ثقته واعجب بصوتي. وقد نصحني في حينه ان أبدا دائماً من القرار وان لا أتأثر بالقراء الآخرين الذين يقرأون في أي محفل ديني. حيث كنت اتبع اسلوب القراءة من الطبقة التي ينتهي اليها القارئ الذي يقرأ القرآن قبلي في المحافل الدينية والمناقب النبوية)(هامش6). وفي مقاماته العراقية الدنيوية التي سجلها نستمع مثلاً الى مقام المثنوي الذي سجله في العقد الثالث من هذا القرن والذي غنى فيه قصيدة هذا مطلعها.

 (فقتَ حسناً وسؤدداً وافتخارا/زادك الله رفعة ووقارا)

 

في هذا المقام لايتجنب الملا عبد الفتاح معروف التكرار في المسارات اللحنية المتشايهة، ولكنها كما يبدو كانت جماليات ادائية مقبولة زمنذاك. وان الملا عبد الفتاح سار بالمقام على وتيرة واحدة تقريباً، ولكنه اضفى على هذه المسارت اللحنية تعبيرا عاطفيا جميلاً. ان مدركات الشيخ عبد الفتاح الخاصة في المقام العراقي تؤكد على العاطفة. وان مقام المثنوي هذا (سلّمه من الحجاز) يبدو جهدا خاصا من قبل الملّا عبد الفتاح معروف لتحديد طبيعة وجاذبية جميلة جديدة في اداء هذا المقام بشكل عام. وان هذا المقام ايضا ومعظم المقامات التي سجلت في تلك الحقبة، نسبة لتقنياتها المتاحة لحد ذلك الوقت، تبدو لنا عند سماعها اليوم اشبه بموسيقى وغناء يسمعان عن بعد. وعليه يتوجب علينا الأستماع بتركيز وبطئ رويدا رويدا واستخلاص شيء ما نريد قوله حولها..!

ان حب الوطن، وحب البيئة والمحيط، حب خفي يفترض التقارب الخفي بين العاطفة البشرية وتربة الأرض التي يعيش عليها البشر، وهؤلاء البشر يمتلكون بالفطرة خصوصيات بيئتهم ومحيطهم. وفي نتاجات الملّا عبد الفتاح معروف، نرى انه يتلذذ بهذه الناحية عاطفيا من خلال تعبيراته الأدائية للمقامات العراقية دنيويا دون اسفاف. ان ادراك ذلك التقارب الخفي ينتج عن الوعي التخيُّلي لدى المستمع بوجود التجاذب غير المنظور بين المستمع والمؤدي، وبين الحياة الطبيعية والأخلاق الأنسانية العفوية الناتجة عن البيئة والمحيط. ان الأنفعالات التي حركتنا عند سماعنا لمقام المثنوي بصوت الشيخ عبد الفتاح معروف، شبيهة بالأنفعالات التي تحصل لدينا عند سماعنا للمقامات العراقية المسجلة في تلك الحقبة من قبل مؤدين يوازون الملا عبد الفتاح معروف بالمستوى والمقدرة او يقتربون منه. فجميعهم يبدون بأنهم يشاركون المتلقين اهتماما بشيء ما، ولعل ذلك الشيء هو ما يقال عنه هموم المجتمع ومشاكله ومعاناته التي يعيشها المتلقي والمؤدي معا. او يتشابهان فيها..! وان هذه المشاركة وهذا التعبير عن مشاكل وهموم المجتمع، يرقى الى قوة العاطفة خلال النتاج الأدائي للمقام العراقي وتكريس الهواية التي يبدو انها تربط بينهما.

ان الملاحظة عن مقام المثنوي هذا،من حيث اخفاقه في ان يفرض نفسه كأحد المقامات العراقيةالكبيرة المنجزة في القرن العشرين. قد يكمن في التغيرات الجمالية الكثيرة جدا في هذا القرن الذي اطلق عليه قرن السرعة او عصر السرعة نتيجة التطور السريع الحاصل في العلوم التكنلوجية..! ومن خلالها تغيُّرات الحياة المستمرة في شتى المجالات. ومن زاوية ما يبدو لي ان نظرة الملّا عبد الفتاح معروف كمؤدي يحمل صفات خصوصية في ادائه، تكمن في ان تعبيراته الجمالبة التي كانت مناسبة جدا في حقبته. في حين اصبحت اليوم ضمن نتاجات الماضي الجمالية التي اوقفتها متطلبات اليوم الذوقية والجمالية..! فهناك دلائل تشير الى ان المتلقي قد بدأ يرى قيمة في جماليات اليوم رغم ان حظ هذه القيم من الانتباه مازال قليلاً لدى متلقي غناء المقام العراقي..! ان الامور تختلف الان، لقد ذهب بعض الجمال القديم، وحلَّ محلَّه واقع الجمال للحياة المعاصرة. اننا نعلم بأن الملّا عبد الفتاح معروف يعبر عن جمال الشكل في اداء المقام العراقي اضافة الى مضمونه بتوازن ممتع. لذلك نرى ان اسلوبه يعتمد على المضمون الادائي للمقامات العراقية ويصبح مناسبا عندما يتعلق الامر بالمقامات التي يختارها لكي يسجلها بصوته.

لقد كان مميزا بتحسُّسهِ بالحوار القائم بينه كمؤدِ وبين المتلقي، وارقُّ تحسُّساً بظلال النغمة والسلم وخصوصية المقامات العراقية المغناة، ومع ذلك ترى ان الملّا عبد الفتاح معروف وكأن لسان حاله يتسائل وهو يصوغ اداءه للمقامات العراقية التي اداها فنيا. اذا كنا مؤدين بيئيين، فكيف يكون غناءنا للمقامات العراقية يصل الى المستوى المطلوب من التطور والخلاص من تأثير الحالة العفوية..! ولماذا نريد الخلاص منها..؟ الا ان هذه التساؤلات تكون بداية السؤال. فالسؤال يجب ان يكون، لماذا اخترنا المبالغة في ان نعطي قيمة للبيئة وتعبيراتها العفوية..!؟ وحتى لو اعطينا قيمة للصفات البيئية، فهل يعني ذلك ان الفن الادائي يجب ان يكون عفويا..؟

هنالك بالطبع امور يفسد فيها الاحترام غير الملهم للشكل المؤدى لأي فن من الفنون. وان الايمان المطلق بالحسّاسية الخالصة التأثير نفسه، ان اسلوب الملا عبد الفتاح معروف وادائه للمقامات العراقية بمعظم حالاته، ليس عفويا بالمعنى البدائي. بقدر ما هو سلس ومفهوم. ان بناءه الادائي للمقامات العراقية لايعطي انطباعا بالضعف لكونه سلساً، اذ تمكن الملّا عبد الفتاح معروف من وضع يده على الجمال المعاصر لحقبته وما تلاها للمتلقي. ان النظام في هذه النتاجات للملّا عبد الفتاح معروف وغيره من معاصريه،ناتج من ادراك كل هؤلاء المؤدين لمشكلات الشكل والمضمون  ووعيهم للحاجة والموائمة الى حد ما بين الاساليب الحضارية وفضائل الحياة المتوثبة في البيئات الطبيعية للمجتمع.

قد تبدو تحديدات الملا عبد الفتاح معروف كامنة اولياً في التأكيد الذي يشعر بضرورة التذوق الجمالي المعاصر لحقبته. لتجسيد نفوره من التقليدية البحتة، لذلك فان اداءه عموما قد اوجد اسبابا لهذه الابداعات، ذلك لأن الكثير من المؤدين المعاصرين للملا عبد الفتاح معروف، لم يبتعدوا  كثيرا عن مستوى ابداعاته.

 

بعض القصائد المغناة من قبل عبد الفتاح معروف. في مقام المنصوري بقصيدة مخمسة هذا مطلعها.

 (قل لقومي هم لعشقي جهلوا/في حبيبي ما اليه وصــــلوا)

(عن غرامي بين قومي فاسالوا/قد حلا نظمي ورق الغزل)

(من هوى قوم بقلبي نـــــزلوا)

 

وفي مقام الاورفة (سلّمه بيات حسيني) بقصيدة هذا مطلعها.

 (أعالجُ قلباً في هواكم معذبا/واصبو اليكم كلما هبّت الصَّبا)

 

رحم الله الشيخ عبد الفتاح معروف الكرخيقارئ القرآن الكريم ومغني المقام العراقي واسكنه فسيح الجنان في ذكرى وفاته وانا لله وانا اليه راجعون.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

هامش1: –سالم ، كمال لطيف ، اعلام المقام العراقي ورواده ، مكتبة النهضة ، بغداد 1985 ، ص71

هامش2: يقول الباحث كمال لطيف سالم في كتابه اعلام المقام العراقي ورواده ، عبد الوهاب البناء ص43 فيما يخص الملا عبد الفتاح معروف (يطبق الاصول أي النغم دون اعطاء اهمية للكلام او الشعر المصاحب للنغم)

هامش3: عناد عبد الرحمن ، جريدة الجمهورية ، العدد 5412 ، 28/6/1984

هامش4: الحنفي ، جلال ، جريدة الاتحاد ، العدد 107 ، 23/1/1989

هامش5: الثلج ، هاتف ، جريدة القادسية ، العدد 285 ، 4/4/1989

هامش6: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ، جريدة القرآن الكريم

 

صورة 1 / في اربيل تشرين اول 2022، حسين الاعظمي في مقدمة الصورة وخلفه اعضاء الفرقة الموسيقية يميناً سعيد البغدادي وستار جدوع ود محمد كمر وصفوة محمد علي واديب الجاف ووسام العزاوي.

 

 

صورة 2 / الحاج عبد الفتاح معروف (1881 – 1989)

 

 

صورة 3 / فرقة انغام الرافدين للمقام العراقي، من اليمين محمد القيسي وقيس عبد الرزاق وصباح هاشم وطه غريب