
المناسبات الاجتماعية: واجب ولكن
صالح مهدي محمد
في مجتمعنا، حضور المناسبات أشبه باختبار خفي لمدى "ولائك الاجتماعي"، فكل دعوة تحمل معها توقعًا صامتًا بأنك ستكون هناك… في الوقت المناسب، وبالابتسامة المناسبة، وبالقدرة الكافية على تكرار نفس العبارات وكأنها المرة الأولى.
إذا حضرت، فأنت شخص "وفيّ" يعرف الأصول.
إذا تأخرت قليلًا، فهناك من سيسجل الملاحظة.
إذا غبت، فالقصة تكبر: "ليش ما إجا؟"، "أكيد زعلان"، "واضح تغيّر علينا".
أما إذا أرسلت اعتذارًا، فهنا تبدأ الروايات: "فيه شي… مو طبيعي".
تكمن المشكلة الحقيقية في حجم التوقعات المحيطة بالمناسبات، لا في المناسبات نفسها. فقد تحوّل العرس مثلًا من فرح بسيط إلى مناسبة لقياس العلاقات: من حضر؟ من تأخر؟ من جلس؟ ومن غادر مبكرًا؟ وكأن الحفل يمتد إلى ما بعد فقراته المعتادة، ليبدأ بعدها موسم التحليل والتعليق.
أما العزاء، فهو أكثر جدية. حضورك فيه تعبير عن المواساة، وحضور إلزامي في آن واحد يحمل معنى "نحن معكم". وإن غبت، حتى لو كان لديك عذر، يبقى هناك شعور بأنك قصّرت في واجب ضمني يدركه الجميع.
والأطرف أن كثيرًا من الناس يذهبون إلى هذه المناسبات وهم مرهقون، أو مشغولون، أو غير راغبين، لكنهم يذهبون… لأن "هكذا يجب". يجلسون لساعات، يكررون العبارات نفسها: "الله يتمم بالخير"… "عظم الله أجركم"… "إن شاء الله الأفراح دائمًا"… جمل محفوظة، لكنها ضرورية، كأنها مفاتيح دخول إلى هذا العالم الاجتماعي.
ومع كثرة المناسبات، يتحول الأمر إلى جدول مزدحم: هذا عرس، وهذا عزاء، وهذه زيارة، وهذا واجب لا يمكن تأجيله. حتى أن البعض أصبح يحتاج إلى "إدارة وقت اجتماعية" ليحافظ على تمييز الأماكن والمناسبات بدقة.
وفي وسط كل هذا، يبقى السؤال البسيط معلّقًا: هل الحضور نابع من الرغبة أم من الخوف من الكلام؟ ذلك أن خوف الناس ينصبّ، في الغالب، على تفسير الغياب أكثر مما ينصبّ على الغياب نفسه.
وهكذا تستمر الدائرة: نحضر لأن الآخرين يحضرون، وننتظر منهم أن يحضروا لأننا حضرنا؛ نظام متكامل من الواجبات الضمنية، يعمل بدقة دون أن يحتاج إلى قوانين مكتوبة.
والحقّ أن الجميع يُقدّر الفرح ويُقدّر المواساة، لكن حين تتحول المشاعر إلى التزام ثقيل، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحضر لنشارك… أم لنثبت أننا ما زلنا داخل القائمة؟
