للذهاب الى صفحة الكاتب   

سوق المشاعر الهشة: الإنسان الحديث وتاريخ صلاحية العلاقات

حيدر حسين سويري

 

 

   تجلس النظريات النفسية والاجتماعية على رفوف المكتبات لتقنعنا بأن الإنسان كائنٌ يسعى بطبعه للحب، والانتماء، والأمان الروحي. لكن يكفي أن تنزل إلى الشارع، وتبتعد قليلاً عن عاطفتك، لتراقب البشر بعينٍ مجردة وباردة؛ حينها ستدرك أن الجوهر الحقيقي للغالبية قد انحرف نحو نموذجٍ آخر: نحن كائنات "استهلاكية" تبحث في المقام الأول عن سد النقص وتغطية الثقوب الداخلية.

 

من "الغاية" إلى "الوسيلة": اتساع رقعة التسليع العاطفي

   لم يعد التبادل البشري في عصرنا الحاضر قائماً على فكرة التكامل الاجتماعي أو التعاطف المبدئي الذي نصت عليه الأدبيات الكلاسيكية، بل تحول القرب والابتعاد إلى حركات ميكانيكية تُدار بمبدأ العرض والطلب. لقد أثرت ثقافة الرأسمالية والسرعة الفائقة على أعمق دواخل النفس البشرية، حتى غدا الآخر في عين الفرد ليس ذاتاً مستقلة لها قدسيتها، بل "أداة" تُقاس جودتها بمدى نفعها ووظيفتها.

 

   لقد تحولت العلاقات في عصرنا إلى ما يشبه الأسواق السوداء؛ يُباع فيها ويُشترى بكل شيء: بالمواقف، وبالاهتمام، وحتى بالوعود البرّاقة. تفرض عليك فلسفة البقاء في هذا الزمن أن تتقبل حقيقة قاسية ومجردة: لن يتقرب منك أحدٌ إلا إذا كان هناك فراغٌ خاص داخل روحه يريد سدّه من خلالك. وما إن تنتهي الحاجة أو يمتلئ ذلك الفراغ، حتى ينسحب ببرود، وكأنك لم تكن يوماً مركز كونه أو سر أمانه.

 

زمن "السيولة البشرية" وتاريخ الصلاحية:

   في هذا الفضاء الإنساني المضطرب، لم تعد الروابط تنمو كالأشجار لتتحدى العواصف، بل أصبحت تتشكل كالماء في القوالب المؤقتة، تتغير بتغير المصلحة وتتلاشى بزوال السبب. فالإنسان الحديث لم يعد يبحث عن سكنٍ لروحه بقدر ما يبحث عن "مستودع" يسد فيه جوعه العاطفي والوجودي، ليتحول الآخر في عينه من "غاية" تُحترم لذاتها إلى مجرد "وسيلة" تُستهلك وتُستبدل.

 

   إننا نعيش في عصر "السيولة البشرية"، حيث أصبحت المشاعر مجرد عملة رخيصة في سوق المقايضات اليومية، تُنفق بحذر وتُسحب بانتظام فور جفاف المصلحة وتلاشي الاحتياج. وتتجسد هذه الظاهرة في التبدل السريع للأصدقاء، والشركاء، وحتى المعارف العابرين، حيث يمتلك كل رصيد عاطفي "تاريخ صلاحية" مدوناً بخط خفي منذ اللحظة الأولى للقاء. فالوعود البريقة التي تُقطع في لحظات الاحتياج الشديد تبدأ بالتحلل التدريجي بمجرد الاستغناء، ليتكشف المنظر عن واقع نفعي بحت لا مكان فيه للمثاليات المنمقة.

 

شجاعة العطاء فوق أرض صلبة:

   هذا الوعي قد يبدو للوهلة الأولى مرعباً؛ أن تعطي وتتفاعل وأنت تدرك سلفاً أن لكل علاقة "تاريخ صلاحية" محدد. غير أن هذا الوعي ليس سوداوية ولا تشاؤماً في الرؤية، بل هو الحقيقة العارية بعد أن انقشع عنها وهم المثالية الفلسفية. إن إدراك قواعد اللعبة لا يعني الانسحاب منها ولا يعني التحول إلى كائن جاف ومتبلد، بل يعني إعادة تعريف آليات الحماية الذاتية ومنح العطاء حجمه الطبيعي دون الانهيار عند نقطة النهاية المتوقعة.

 

   إن معرفتك المسبقة بتاريخ صلاحية الوعود وخلفياتها النفعية ليست خذلاناً يسقطك في الفجيعة، بل هي ذروة النضج والاستنارة. فالأقوياء وحدهم هم من يملكون شجاعة العطاء والتعامل في سوقٍ يعلمون سلفاً أن كل بضائعها العاطفية معروضة للبيع، وأن المشهد الأخير في مسرحية العلاقات قد كُتبت خطوطه الأولى منذ اللحظة التي دُقّت فيها طبول الحاجة.

 

بقي شيء...

   ينقلنا هذا الفهم من خانة "الضحية المنكسرة" إلى خانة "المراقب الواعي". فعندما نتقبل حقيقة أن الاستهلاك أصبح جزءاً من نسيج العلاقات الحديثة، نتحرر من صدمة الفقد، ونستطيع تقديم الحب والدعم بذواتنا ولأجل قيمة العطاء ذاتها، لا انتصاراً لرهان الأبدية الزائف، بل استمتاعاً باللحظة الحاضرة مع إبقاء أقدامنا ثابتة على أرض الواقع الصلبة.