
تطبيق مكافحة الفساد على الجميع يعني انهيار العملية السياسية
ناظم ختاري
الواقع العراقي اليوم يثبت أن الفساد لم يعد مجرد انحراف أو تجاوز، بل تحوّل إلى نهجٍ صريح في إدارة الدولة، تُمارسه القوى المتنفذة على أعلى المستويات، وتُحصّنه بالقوانين، وتُغذّيه بالخطاب السياسي والإعلامي. ولهذا السبب تباطأت خطوات محاربة الفساد، إذ اقتصرت الإجراءات على صغار الفاسدين وتركت الحيتان تواصل نهب المال العام بلا رقيب.
على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، جرى تهريب مليارات الدولارات إلى ملاذات آمنة حول العالم، بعضها مرتبط بتمويل شبكات إقليمية، وبعضها الآخر مرتبط بحسابات شخصية لقادة سياسيين. وقد كشفت الصحافة العراقية والعالمية مرارًا محاولات تهريب ضخمة، كان آخرها ما نُسب إلى فالح الفياض حين أُبلغ بأن إحدى الدول لم تعد مستعدة لحماية أمواله، وأن عليه نقلها إلى مكان آخر. ورغم أن هذه المعلومات لم تُثبت بأدلة دامغة، إلا أنها غير مستبعدة إطلاقًا في بلد تحوّل فيه نهب المال العام إلى ممارسة يومية.
ومع اعتقال بعض صغار الفاسدين، وفي ظل تباطؤ عملية مكافحة الفساد وعدم تصعيدها، لجأت الغالبية العظمى من رجال السلطة إلى تهريب ما نهبوه، أو إخفائه في مخابئ آمنة، أو تبييضه عبر مشاريع داخل العراق. ورغم نجاحهم في إخفاء جزء من آثار السرقات، فإن حجم الفساد والإصرار على مواصلته يتركان دائمًا ثغرات تكشف أن المنظومة ما زالت تعمل بكامل قوتها. ولهذا نراهم يخرجون بتصريحات وبيانات توهم الناس بأنهم ضد الفساد، بينما يمارسون ضغطًا خفيًا في اجتماعات الإطار لوقف أي خطوة تتجاوز الخطوط الحمراء التي تحمي مصالحهم.
ولما لم يعد الضغط الخفي كافيًا، انتقل بعضهم إلى العلن. فعدد من المعممين الذين تضخمت ثرواتهم من المال العام قالوا إن ما يقوم به الزيدي من اعتقالات "ليس من صلاحياته"، وإنها "صلاحيات المهدي المنتظر". آخرون اعتبروا اعتقال الفاسدين عبر قوات أمنية "إهانة لحصانة النواب وهيبة الدولة"، واقترحوا استدعاء الفاسدين وطلب إعادة الأموال منهم بلا إجراءات قضائية.
أما حيدر العبادي، رئيس الوزراء الأسبق، فقد ذهب أبعد من الجميع حين قال في لقاء تلفزيوني إن، "تطبيق مكافحة الفساد على الجميع يعني انهيار العملية السياسية" ثم دعا إلى نسيان ما سُرق، واقترح بدلًا من المحاسبة أن نكتفي بـ "مراقبة الفساد بالكاميرات كما في أوروبا".
ولكي يحكم العبادي ضميره، أضع أمامه بعض الحقائق المتداولة عن حجم الفساد في العراق:
-وفق تقديرات خبراء اقتصاديين، كلفة الفساد منذ 2003 تجاوزت تريليون دولار، وتصل في بعض التقديرات إلى تريليوني دولار.
- هيئة النزاهة أعلنت أن عدد ملفات الفساد المفتوحة يفوق 50 ألف ملف، لكن نسبة المحاسبة الفعلية لا تتجاوز 1%.
- البنك الدولي صنّف العراق ضمن الدول الأكثر فسادًا في المنطقة، مع تراجع مستمر في مؤشرات الحكم الرشيد.
- تقارير دولية تشير إلى أن ما بين 250–300 مليار دولار هُرّبت إلى الخارج خلال العقدين الماضيين.
- الفساد في العراق ليس ماليًا فقط، بل سياسيًا وإداريًا، ويشمل بيع المناصب، شراء الولاءات، وتمويل الميليشيات.
إذن يا رجل… المسروقات ليست دجاجة ولا نعجة، لكي نغض الطرف عنها، ونقول عفا الله عما سلف، إنها تريليونات. تريليونات قادرة على إنهاء الفقر في العراق، وبناء دولة حديثة من الصفر، وتوفير الخدمات التي يحلم بها الإنسان، وحماية كرامة المواطن التي تتاجرون بها في كل مناسبة. تريليونات قادرة على منع الهجرة، وعلى إعادة أبناء العراق الذين يعيشون اليوم على إعانات اجتماعية في بلدان المهجر.
تصريح العبادي ليس مجرد رأي، إنه إدانة صريحة للنظام السياسي القائم، واعتراف بحجم الفساد، وإقرار بأن العملية السياسية ليست سوى منظومة لصوصية تستنزف موارد الدولة وتسرق قوت الشعب.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، هل يمكن محاربة الفساد بأدوات الفاسدين؟
