
الاخلاق قبل الاديان: من فجر الضمير في وادي النيل الى الشرائع في وادي الرافدين
د. عامر ملوكا
يثير سؤال نشأة الاخلاق واحدا من اقدم الاسئلة التي رافقت الفكر الانساني: هل جاءت الاخلاق مع الاديان، ام ان الانسان عرف الخير والشر قبل ان يعرف النصوص المقدسة؟ وهل كان الضمير ثمرة للوحي، ام ان الوحي جاء ليهذب ضميرا كان قد بدا يستيقظ في اعماق الانسان منذ فجر الحضارة؟ ان هذا السؤال لا يتعلق بتاريخ الدين فقط، بل بجوهر الانسان نفسه: متى بدأ يشعر ان عليه مسؤولية تجاه غيره، وان هناك افعالا ينبغي فعلها وافعالا ينبغي تجنبها حتى عندما لا يكون هناك رقيب او عقاب؟
تناول عالم المصريات الامريكي جيمس هنري بريستد هذه القضية في كتابه الشهير "فجر الضمير"، حيث رأى ان الاخلاق لم تولد فجاة مع ظهور الرسالات الدينية، بل ان جذورها تمتد الى عصور اقدم، عندما بدأت الحضارات تنقل الانسان من حياة تقوم على الغريزة والبقاء الى حياة تقوم على التنظيم والمسؤولية والوعي. فالانسان القديم لم يكن يعيش فقط لكي ياكل ويحتمي ويتكاثر، بل بدا يسال نفسه: كيف ينبغي ان يعيش؟ وكيف يمكن للجماعة ان تستمر من دون ان تتحول القوة الى ظلم والمصلحة الى صراع دائم؟
وفي وادي النيل ظهرت واحدة من اقدم صور هذا الوعي الاخلاقي. فلم يكن النيل مجرد مصدر للماء والغذاء، بل كان عاملا اساسيا في نشوء الاستقرار والمجتمع. ومع الاستقرار ظهرت الحاجة الى قواعد تنظم العلاقات بين الناس، وبدأ الانسان يميز بين العدل والظلم، والصدق والكذب، والرحمة والقسوة.
ومن هنا يمكن فهم مفهوم "ماعت" في مصر القديمة، وهي كلمة ارتبطت بالحق والعدل والصدق والنظام والتوازن، في مقابل الفوضى والاضطراب والظلم. وكان الحفاظ على "ماعت" يعني، في جوهره، الحفاظ على النظام الاخلاقي الذي يجعل حياة الفرد والمجتمع ممكنة ومستقرة. وهكذا ادرك المصري القديم ان المجتمع لا يمكن ان يستمر بالقوة وحدها، بل يحتاج الى معيار للحق والعدل.
وتظهر اهمية هذا التصور بصورة اوضح في المعتقدات المصرية المتعلقة بالحياة بعد الموت، حيث ارتبط مصير الانسان بفكرة محاكمة القلب. فقد كان القلب يوزن رمزيا في مقابل ريشة "ماعت"، في اشارة الى وزن اعمال الانسان وحقيقة حياته. وبغض النظر عن التفسير الديني لهذه الصورة، فان معناها الاخلاقي واضح: الانسان مسؤول عن افعاله، وحياته لا تقاس فقط بما امتلكه او بالقوة التي مارسها، بل بما فعله تجاه الاخرين. وهنا تظهر مبكرا فكرة الرقيب الداخلي والمسؤولية الاخلاقية.
اما في وادي الرافدين، فقد ظهرت صورة اخرى لتطور الاخلاق، تمثلت في انتقال القيم والاعراف الى قوانين مكتوبة. ففي بلاد سومر واكد وبابل ظهرت نصوص قانونية مبكرة، من بينها قوانين اور نمو وشريعة حمورابي. ولم تكن هذه النصوص مجرد قوائم للعقوبات والملكية، بل تضمنت تصورات عن العدالة وتنظيم المجتمع وحماية بعض الفئات.
وفي مقدمة شريعة حمورابي يظهر الحاكم بوصفه مسؤولا عن اقامة العدل ومنع القوي من ظلم الضعيف، وحماية الارملة واليتيم ونشر النظام. ورغم ان هذه القوانين لم تحقق المساواة بمفهومها الحديث، فان فكرة ان السلطة تتحمل مسؤولية اخلاقية تجاه المجتمع تمثل مرحلة مهمة في تاريخ الفكر الاخلاقي والسياسي.
كما تكشف النصوص السومرية والادب القديم عن اهتمام بقيم مثل الصدق والوفاء واحترام العهود والعائلة ومراعاة الضعفاء. وفي ملحمة جلجامش نرى تحولا اخلاقيا واضحا في شخصية البطل. ففي البداية يظهر جلجامش ملكا قويا ومتجبرا، ثم يمر بتجربة الصداقة والفقد والبحث عن الخلود، فيكتشف حدود القوة وحدود الانسان امام الموت. وتتحول رحلته من الغرور الى الحكمة، ومن البحث عن القوة والخلود الى فهم قيمة الحياة وحدود الانسان.
هذه الشواهد تجعل من الصعب القول ان الانسان لم يعرف الاخلاق قبل الاديان. فالانسان حين عاش في جماعة احتاج الى الصدق حتى تستمر الثقة، والى العدل حتى لا تتحول الجماعة الى صراع دائم بين الاقوياء والضعفاء، والى الرحمة حتى يبقى المجتمع متماسكا. ولذلك يمكن النظر الى الاخلاق في بداياتها باعتبارها استجابة لحاجات انسانية واجتماعية عميقة.
ومع مرور الزمن تطورت هذه القيم واصبحت اكثر تعقيدا، ثم جاءت الاديان لتمنحها بعدا روحيا ومقدسا. فالعدل اصبح عبادة، والرحمة فضيلة، والصدق مسؤولية امام الله، ومساعدة الضعيف عملا له قيمة روحية. وبذلك انتقلت الاخلاق من كونها ضرورة لتنظيم المجتمع الى كونها ايضا مسؤولية امام سلطة اخلاقية عليا تتجاوز المجتمع والفرد.
لكن التاريخ يعلمنا في الوقت نفسه ان الايمان وحده لا يضمن الاخلاق. فقد مارس بعض المتدينين الظلم باسم الدين، كما عاش اشخاص غير متدينين حياة مليئة بالصدق والرحمة والنزاهة. وهذا يدل على ان العلاقة بين الدين والاخلاق ليست حتمية. يمكن للدين ان يكون مصدرا قويا للاخلاق، كما يمكن للانسان ان يستمد مبادئه من ضميره وتربيته وتجربته وشعوره بالاخر ومسؤوليته تجاه المجتمع.
ومن هنا يصبح السؤال الاكثر عمقا ليس فقط: هل يستطيع الانسان ان يكون اخلاقيا من دون دين؟ بل: كيف نشا في الانسان اصلا ذلك الصوت الداخلي الذي يجعله يشعر ان بعض الافعال خاطئة حتى عندما يستطيع ارتكابها من دون عقاب؟ كيف نشات مشاعر التعاطف والشفقة والندم؟ ولماذا يشعر الانسان بالذنب عندما يظلم شخصا ضعيفا حتى لو لم يره احد؟
وتقدم لنا الاكتشافات الاثرية لمحات عن قدم التعاون ورعاية الضعيف. فقد عثر الباحثون على بقايا بشرية تعود الى عصور سحيقة لافراد عاشوا مع اصابات واعاقات كان من الصعب عليهم البقاء من دون مساعدة جماعتهم. ومثل هذه الشواهد تشير الى ان التعاون والرعاية لهما جذور عميقة في التاريخ الانساني.
كما تشير دراسات حديثة في علم النفس وتطور الطفل الى ان بعض اشكال التعاطف والتمييز بين الاذى والمساعدة تظهر في مراحل مبكرة من حياة الطفل قبل تلقي تعليم اخلاقي منظم. وهذا لا يعني ان الطفل يولد حاملا منظومة اخلاقية كاملة، لكنه يشير الى وجود استعدادات نفسية تساعد على نشوء الاخلاق، ثم تقوم التربية والثقافة والدين والقانون بتطويرها وتوجيهها.
ومن هنا يمكن القول ان الاخلاق والاديان دخلا في علاقة طويلة ومعقدة. فالانسان حمل معه استعدادا للتعاطف والتعاون والعدل، ثم جاءت الحضارات لتضع لهذه القيم اشكالا وقوانين، وجاءت الاديان لتمنحها معنى روحيا اعمق ومكانة مقدسة.
ولعل اعظم دليل على قدم الاخلاق ليس فقط ما تركته الحضارات القديمة من قوانين ونصوص، بل ما عاشه الانسان نفسه منذ بدايات وجوده. فالانسان لم يصبح اخلاقيا فقط عندما قرا الوصايا، بل عندما شعر للمرة الاولى ان الم الاخر يشبه المه، وان ضعف غيره يمكن ان يكون ضعفه، وان الجماعة لا يمكن ان تستمر اذا تحول كل فرد فيها الى كائن لا يرى سوى مصلحته.
وهنا ربما يكمن المعنى الحقيقي لفجر الضمير: ان الانسان بدا يصبح انسانا عندما لم يعد يسال فقط: ماذا استطيع ان افعل؟ بل بدا يسال ايضا: ماذا ينبغي ان افعل؟ وعندما ظهر هذا السؤال، ولد واحد من اعظم التحولات في تاريخ البشرية. فقد اصبح الانسان قادرا على مقاومة غرائزه، ومراجعة افعاله، والشعور بالندم، والتضحية من اجل غيره، ووضع قواعد تحمي الجماعة.
لذلك فان الحديث عن الاخلاق قبل الاديان لا ينبغي ان يكون محاولة لالغاء دور الدين، كما ان الحديث عن الدين لا ينبغي ان يؤدي الى انكار جذور الضمير الانساني. لقد بدا الضمير في اعماق الانسان، ثم جاءت الحضارات لتصوغ قيمه في قوانين ومفاهيم مثل "ماعت" والشرائع القديمة، وجاءت الاديان لتمنح هذه القيم افقا روحيا واسعا.
ومن فجر الضمير في وادي النيل، الى الشرائع في وادي الرافدين، الى الرسالات التي جاءت لاحقا، ظل السؤال واحدا: كيف يمكن للانسان ان يكون انسانا افضل؟ وربما تبدأ الاجابة عندما ندرك ان الاخر ليس مجرد غريب عن مصالحنا، بل انسان مثلنا، له خوفه والمه وكرامته وحقه في الحياة. وعندما يصبح هذا الادراك جزءا من وعينا، يصبح العدل اكثر من قانون، والرحمة اكثر من واجب، والصدق اكثر من مصلحة، ويصبح الضمير ذلك الصوت الداخلي الذي يذكرنا، حتى في غياب الرقيب، بان هناك حدودا لا ينبغي ان نتجاوزها.
