للذهاب الى صفحة الكاتب   

نحو تجديد المشروع الوطني الديمقراطي- 3.

بين الثوابت والمتغيرات: كيف يتجدد برنامج الحزب؟

يونس متي

 

ليس هناك برنامج سياسي يبقى صالحاً إلى الأبد، لأن المجتمعات لا تتوقف عن التغير. وكل مشروع سياسي يريد أن يبقى فاعلا، مطالب بمراجعة برامجه بصورة دورية، لا حفاظا على بقائه التنظيمي فقط، بل حفاظاً على قدرته على فهم الواقع والاستجابة لتحولاته ايضا. لذلك لا يقاس نجاح أي حزب بقدرته على التمسك بكل ما كتبه في الماضي، بل بقدرته على التمييز بين ما يمثل ثوابته الفكرية، وما ينبغي أن يتطور من سياساته وبرامجه وآليات عمله.

 

لكن مراجعة برنامج الحزب لا تعني التخلي عن المبادئ أو التراجع عن القيم التي قام عليها المشروع الوطني الديمقراطي، بل تعني إعادة النظر في كيفية ترجمة تلك المبادئ إلى سياسات وبرامج وآليات عمل تستجيب لواقع العراق اليوم. فالثبات الحقيقي يكون في الأهداف الكبرى، أما الوسائل والأولويات والأدوات، فهي بطبيعتها قابلة للتطوير كلما تغيرت الظروف.

 

لقد مرت عقود طويلة على إقرار كثير من المفاهيم التي ما زالت تحكم التفكير السياسي والتنظيمي للحزب، بينما شهد العراق خلال هذه الفترة تحولات عميقة في بنية الدولة، والاقتصاد، والمجتمع، والعلاقات السياسية. ولم تعد كثير من الافتراضات التي كانت صحيحة في مراحل سابقة تعكس الواقع الجديد بالقدر نفسه. وهذا لا يعني أن تلك الرؤى كانت خاطئة، وإنما يعني أن الواقع الذي صيغت على أساسه لم يعد هو نفسه.

 

وبدلاً من القول، هل نحتاج إلى برنامج جديد؟ يكون الأكثر دقة، هو ما الذي بقي صالحاً من برنامجنا؟ وما الذي يحتاج إلى مراجعة أو تطوير؟ وما الذي استجد في المجتمع ولم يعد البرنامج يعالجه بالعمق الكافي؟

 

فالثوابت في أي حزب سياسي ليست النصوص، بل المبادئ التي تمنحه هويته. أما البرامج فهي أدوات لتنزيل تلك المبادئ على واقع متغير. ولهذا فإن العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والدولة المدنية، وسيادة القانون، والدفاع عن حقوق الإنسان، تبقى قيم أساسية لا تفقد مشروعيتها بتغير الزمن. لكن السياسات التي تحقق هذه القيم، وأولويات العمل، وأشكال التنظيم، والتحالفات، وأساليب التواصل مع المجتمع، كلها مجالات ينبغي أن تخضع للمراجعة المستمرة.

 

ان إحدى أبرز الإشكاليات التي واجهت الحزب خلال العقود الماضية تمثلت في أن عملية التطوير لم تشمل الحياة التنظيمية بالقدر الذي شملت الخطاب السياسي. فقد تبدلت بنية المجتمع، وتغيرت وسائل الاتصال، وبرزت أجيال جديدة تحمل أساليب مختلفة في التفكير والعمل، بينما بقيت بعض آليات الإدارة والتنظيم واتخاذ القرار أقرب إلى ظروف تاريخية سابقة. ومع مرور الوقت اتسعت الفجوة بين مجتمع يتغير بسرعة، وأدوات حزبية تتغير ببطء.

 

إن تجديد البرنامج لا يقتصر على تحديث التحليل السياسي أو إضافة بعض الفقرات الجديدة، بل يشمل كذلك مراجعة الثقافة التنظيمية نفسها. فالحزب الذي يدعو إلى الديمقراطية في المجتمع يحتاج إلى أن يجعلها ممارسة يومية في حياته الداخلية، من خلال توسيع المشاركة، وتشجيع الحوار، واحترام التنوع في الآراء، وتطوير آليات اتخاذ القرار، وإتاحة المجال أمام المبادرات الجديدة. فالتجديد يبدأ من داخل الحزب قبل أن ينعكس في خطابه تجاه المجتمع.

 

كما أن البرنامج الجديد ينبغي أن يجيب عن أسئلة لم تكن مطروحة بالصيغة نفسها قبل سنوات، كيف يتعامل مع الاقتصاد الرقمي؟ وكيف يخاطب الشباب الذين تشكلت تجاربهم في بيئة مختلفة؟ وكيف يعالج آثار الاقتصاد الريعي، والتغيرات الديموغرافية، والتحولات الثقافية، والتحديات البيئية، والتطورات التكنولوجية؟ فهذه القضايا لم تعد مسائل هامشية، بل أصبحت جزء من أي مشروع وطني يسعى إلى بناء دولة حديثة.

 

المراجعة الحقيقية ليست محاسبة للماضي بقدر ما هي استعداد للمستقبل. فهي لا تبدأ من التشكيك في المبادئ، بل من التساؤل حول مدى قدرة البرنامج الحالي على التعامل مع عراق اليوم وعراق الغد. فالمشروع السياسي الذي لا يجدد أدواته يفقد تدريجياً قدرته على التأثير، حتى وإن بقي متمسكاً بالمبادئ نفسها.

 

إن مراجعة البرنامج لا ينبغي أن تفهم على انها استجابة ظرفية لتراجع انتخابي أو أزمة تنظيمية، بل بوصفها ممارسة طبيعية ترافق كل حزب يريد أن يبقى حياً. فالبرنامج ليس وثيقة تاريخية تحفظ في الأرشيف، وإنما هي إطار متجدد للفهم والعمل، يخضع للمراجعة كلما تغير المجتمع وظهرت تحديات جديدة. والجمود في السياسة لا يقل خطورة عن التخلي عن المبادئ، لأن كليهما يؤدي في النهاية إلى فقدان القدرة على التأثير.

 

وتتمثل إحدى القضايا الأساسية في كيفية الحفاظ على ثوابت المشروع الوطني الديمقراطي، مع تطوير برامجه وآلياته بما يجعله أكثر قدرة على فهم المجتمع والتفاعل معه والإسهام في عملية التغيير. فالتجديد ليس خروجاً على هوية الحزب، بل هو أحد شروط بقاء هذه الهوية حية وفاعلة. فالبرنامج الذي ينجح في الجمع بين وضوح المبادئ ومرونة الوسائل سيكون أكثر قدرة على الإسهام في صناعة المستقبل.