
من رحم النضال- للتأريخ/ 92
د. مزاحم مبارك مال الله
اندمجت كلياً بالمجتمع الطلابي الذي كما قلت انهم يمثلون النخبة وكانوا عبارة عن مزيج من مستويات مختلفة ومن محافظات مختلفة .. منهم من ذي أصول ارستقراطية برجوازية ومتنفذين في الحكومة، فبعض الطلبة أبائهم معروفين مثل يوسف عبد الجبار شنشل وهو خلوق جداً وطيب.. وكذلك محمد راغب وكان ابوه قاضي عسكري من قضاة صدام.. وكذلك كان هناك طالبات وطلاب اباؤهم وأمهاتهم كانوا اساتذتنا في الكلية او كليات طب اخرى..
احتفظت بعلاقات ودودة مع كل الطلبة وربما ميزوني بمشاكلهم بحكم ثقافتي الاجتماعية وخبرتي بالحياة وقدرتي على حل تلك المشاكل دون ان يعرفوا حقيقة تأريخي المعقد.
نجحت من الثالث بعد ان كنت مكملاً الى الصف الرابع وبذلك بدأت تتميز امامي معالم الطريق الذي كنت اعبدّه بنفسي وبجهدي وتعبي وسهر الليالي.
الا ان ذلك لم يكن يخلوا من غل وحقد الفاشلين الذين رؤوا في نجاحاتي الدراسية فشلهم الذريع في حياتهم ومنهم اقرب الناس لي فراحوا يسطرون القصص الخيالية عني للأسف الشديد ومنهم بيت خالتي (يعني اهل عدي الذي كان معي في جامعة الموصل وهو لم يكمل دراسته فيها) الذين اشاعوا عني اني كنت بالمخابرات الصدامية.
كان صديقي المقرب "شدهان عبد الرزاق" من آهالي ديالى.. وكان طالب متفوق وهادئ قليل الكلام وقليل الإختلاط.. ولا اعرف لماذا كنت اشعر انه اقرب الى اخلاقياتي العامة.. وفجأة إختفى شدهان.. يوم أو يومان لم يظهر.. سألت عنه لا احد لديه علم.. الى ان جاء الي احد عناصر الاتحاد الوطني الذي كان يطلب مني محاضرات بعض الدروس وطلب مني ان استصحبه الى ساحة الكلية..
شوف مزاحم .."انا احبك والله وتهمني مصلحتك ولو ما اعرفك انت انسان طيب وعلى نياتك لما سأقول لك ما ستسمعه مني.. (بعد لا تسأل عن شدهان حرصاً عليك ولا تسألني ليش).."
فهمت من هذا الكلام ان شدهان قد تم القاء القبض عليه والى الأبد.. مرت الشهور والاعوام ولم يظهر شدهان فغاب مع المغيبين.. كنت احمل هم ثقيل في صدري حينما أرى الطلاب والطالبات وهم يزهون بحياتهم ومستقبلهم الجميل وحبهم للحياة التي حُرم منها شدهان.. كنت أبكي حسرة والم على هذا الإنسان النقي..
لم اعثر على اسم شدهان حتى بعد إزاحة النظام البعثي الدكتاتوري القذر الى مزبلة التأريخ... فبعد 9 نيسان 2003 شكلنا الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان والتي كانت تحت رعاية الحزب الشيوعي العراقي وقد تم انتخابي نائباً لسكرتيرها.. كانت تردنا أسماء شهداء ومغيبي الشعب العراقي من جهات عديدة وبقيت ابحث عن اسمه فلم اعثر عليه.. ولغاية اليوم لا اعرف التهمة التي وجهت لشدهان.
(يتبع)
