
هكذا سقط المستشار وهكذا انتصر اليسار!
محمد حمد
منذ عدة أشهر ومستشار المانيا فريدريش ميرتس يخوض في اوحال الهزائم السياسية ويراقب بعيون دامعة تدّني شعبيته سواء على مستوى البلد أو داخل حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي. ومن يدري قد تكون أيامه معدودة في رئاسة المستشارية رغم عناده وإصراره على التشبث بكرسي السلطة، كما يفعل امثاله عندما يجدون انفسهم محاصرين بالضغوط من الداخل والخارج. ففي ولاية مكلنبورج - فوربومرن فشل حزب المستشار في تحقيق الخمسة بالمئة المطلوبة لدخول البرلمان. وبالتالي سوف يبقى خارج برلمان الولاية. وهذه هي اسوء نتيجة لحزب المستشار ميرتس (حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي) في تاريخ المانيا. بل انها "كارثة" كما وصفها المستشار بعظمة لسانه.
ما لا يريد فهمه قادة أوروبا هو أن شعوبهم لم تنتخبهم لكي يشنوا حروبا على الآخرين أو يطيلوا امد حرب هم أول من اشعل نيرانها، كحرب اوكرانيا. كما أن شعوبهم لم تختارهم لكي يفرضوا عقوبات اقتصادية غير شرعية على روسيا، كانت وما زالت نتائجها انهيار شبه كامل لاقتصاد معظم الدول الأوروبية. والمانيا على راس القائمة. وان كل ما يهم شعوب اوروبا، وانا اعيش بينهم منذ عقود، هو أن يولي الحكام اهتماما أكبر لمشاكل الداخل، كالبطالة والتعليم والصحة والاجور والهجرة غير الشرعية، وما شاكل ذلك.
ربما لم ينتبه الكثيرون إلى أن قادة أوروبا الذين ناصبوا روسيا العداء وأصروا على إقرار وتمديد العقوبات ضدها ورفضوا اي شكل من أشكال الحوار مع موسكو. أن هؤلاء القادة كما نرى اليوم تمّت معاقبتهم بشدة عبر صناديق الاقتراع. وللتذكير أن بريطانيا غيرت عدة رؤساء حكومة في ظرف اربع سنوات فقط. والسبب، كما تبيّن الأحداث والتطورات، هو موقفهم العدواني والمتطرف من روسيا.
أن صعود اليسار في برلين هو بارقة أمل في عالم تضاءلت فيه الآمال وقلّت فيه الخيارات وتعقدت فيه أمور السياسة أكثر من السابق. ولكن فوز اليسار، على ما فيه من أهمية، لا يعني أن ألمانيا سوف تتوقف عن ارسال الأموال والأسلحة إلى مهرج كييف زيلينسكي. فالساسة من جيل المستشار ميرتس مازالوا يعانون من مرارة الهزيمة والإذلال على يد الجيش الأحمر السوفيتي. وثمة ثارات قديمة لن يكفي الزمن كله لنسيانها او تجاوزها.
أن زمن السياسيين في أوروبا، كما ذكرنا سابقا، انتهى إلى الأبد. وهنا نحن نعيش فوضى وتخبّط وتقلّب امزجة مراهقي السياسة. وقد لا يجود علينا الزمن، لا في المانيا ولا في غيرها، بشخصيات مثل المستشار هلموت كول أو غيرهارد شرودر أو أنجيلا ميركل. وكذا الحال بالنسبة لفرنسا وإيطاليا ودول أوروبا الشرقية. وما هو موجود اليوم لا يتعدى كونه "فقاعات سياسية" قذفتها امواج الأحداث على سطح المشهد الدولي...
