للذهاب الى صفحة الكاتب   

نحو تجديد المشروع الوطني الديمقراطي

4. الجديد لا يبدأ من الصفر - التجديد بين الاستمرارية والتغيير

يونس متي

 

كثيراً ما يُنظر إلى التجديد بوصفه قطيعة مع الماضي، كما يُفهم الدفاع عن التراث وكأنه رفض لأي تغيير. غير أن التجارب الإنسانية تثبت أن التطور الحقيقي لا يقوم على أي من هذين الخيارين. فالمجتمعات، والأحزاب، والأفكار، لا تبدأ من الصفر مع كل مرحلة جديدة، كما أنها لا تستطيع الاستمرار بالاعتماد على ما ورثته من دون مراجعة ونقد وتطوير.

 

فالجديد لا يولد من الفراغ، بل ينمو من رحم التجربة السابقة، مستفيداً من إنجازاتها ومتجاوزاً حدودها في الوقت نفسه. ولذلك فإن التجديد لا يعني التنكر للماضي، كما أن الاستمرار في تجربة ما لا يعني الجمود. فكل مشروع سياسي يريد أن يبقى حياً وفاعلاً يحتاج إلى أن يحافظ على ما أثبتت التجربة صوابه، وأن يمتلك في الوقت نفسه الشجاعة لمراجعة ما لم يعد قادراً على تفسير الواقع أو الاستجابة لتحدياته.

 

لذلك فإن مراجعة برنامج الحزب لا ينبغي أن تُفهم بوصفها حكماً على تاريخه أو تبرؤ من تجربته، بل بوصفها امتداد طبيعي لمسار طويل من التعلم والتراكم. فالتجارب السياسية لا تُقاس بما ارتكبته من أخطاء فحسب، بل كذلك بقدرتها على التعلم منها، وتحويلها إلى خبرة تسهم في بناء المستقبل.

 

إن التاريخ لا يُورَّث بوصفه نصوص جامدة، وإنما بوصفه خبرة إنسانية قابلة للنقد والإغناء والتطوير. فالجيل الذي يكتفي بتكرار ما أنجزه السابقون لن يضيف شيئاً إلى مسيرة المشروع، والجيل الذي يقطع صلته بكل ما سبقه سيجد نفسه يبدأ من نقطة كان يمكن تجاوزها. ولهذا فإن التراكم الحقيقي يقوم على الاستفادة من الماضي، لا على الارتهان له.

 

لقد تطورت جميع الحركات السياسية الكبرى عندما امتلكت القدرة على مراجعة نفسها، ولم يكن تجددها نتيجة التخلي عن هويتها، بل نتيجة إعادة قراءة مبادئها في ضوء واقع جديد. فالثبات في المبادئ لا يتناقض مع التطور في الرؤية والوسائل، بل إن أحد شروط الوفاء للمبادئ هو القدرة على تجديد السبل التي تحققها.

 

وبالنسبة للحزب، فإن تاريخه الطويل يمثل رصيد سياسي وفكري ونضالي مهم، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن التفكير في المستقبل. فالشرعية التاريخية تمنح المصداقية والثقة، لكنها لا تعفي من مسؤولية التجديد، لأن الأحزاب تُقاس في النهاية بقدرتها على تقديم إجابات لأسئلة الحاضر، لا بالاكتفاء باستحضار إجابات الماضي.

 

ولهذا فإن التجديد الحقيقي لا يقوم على المفاضلة بين القديم والجديد، بل على حوار خلاق بينهما. فما يثبت صلاحيته بالتجربة يبقى ويُطوَّر، وما تثبت محدوديته يُراجع ويُستبدل. وبهذا المعنى، يصبح التجديد استمرار واعي يستفيد من الخبرة، ويطوّر ما هو صالح، ويتجاوز ما لم يعد قادر على الاستجابة للواقع. فهو ليس قطيعة مع الماضي، ولا تكرار له، بل تقدم يستند إلى ما راكمناه من تجربة ومعرفة.

 

إن التغيير الحقيقي لا يهدم ما سبقه، بل يعيد بناءه على أسس أكثر نضجاً واتساعاً. فكل تجربة تحمل في داخلها عناصر القوة التي تستحق أن تستمر، كما تحمل عناصر الضعف التي تستوجب المراجعة. ومن هنا فإن التجديد ليس نفياً للتاريخ، بل تطويراً لمساره، بحيث تبقى المبادئ حية من خلال قدرتها على إنتاج رؤى وسياسات جديدة تستجيب لمتغيرات الواقع.

 

إن مراجعة تجربتنا تقتضي الحفاظ على أفضل ما أنجزناه، وفي الوقت نفسه امتلاك الجرأة على تجاوز ما لم يعد صالح. فالمستقبل لا يُبنى بإنكار الماضي، وكذلك لا بالعيش فيه، وإنما بتحويله إلى قاعدة ننطلق منها نحو آفاق أرحب. وبذلك يصبح التجديد استمرار واعي للتجربة، يطوّر ما أثبت صلاحيته ويتجاوز ما استنفد دوره، ويغدو المستقبل امتداد نقدي للماضي، لا نفي له.