
من رحم النضال- للتأريخ/ 100
د. مزاحم مبارك مال الله
إتفقنا نحن الثلاثة (انا وزميل طبيب اسنان وأخر طبيب والذي منذ البدأ شعرت انه من أصول اسيوية) ان نلتقي في ساحة النسور قرب الحارثية لغرض الالتحاق الى وحداتنا العسكرية.
ما هي الا دقائق بعد انطلاقنا من ساحة النسور وبدأ شريط الاحداث يشتغل.. لم يعكّر استمرار متابعته في عقلي سوى حديث الزميلين والتعارف وتبادل المعلومات الحياتية.
اوحت سيارة زميلنا طبيب الاسنان الى أيام خلت فقد رحلت بي الى ذكريات عزيزي وصديقي الحبيب المرحوم "علي حسين بكر" حينما كان يقلنا في اغلب الأحيان من والى الكلية في المراحل الأولى من دراستنا فيها (انا وعلاء الدباغ ومحمد عبد العزيز وفي أحيان قليلة محمد علي محمود).
شعرت ان هذه الرحلة.. رحلة مجهولة لا أعرف اين ستنتهي وسرعان ما قارنتها بمحطات حياتي الصعبة والمختلفة ومشوار دراسة الطب وما قبلها وسفرتي الى الولايات المتحدة الأميركية عام 1984 كمرافق لوالدي رحمه الله للعلاج على الحساب الخاص والتي دامت ثلاثة اشهر و13 يوم (وكم شعرت بالندم كوني لم استجب لمقترح خالي الطبيب الاختصاص بطب الأطفال المقيم في ولاية اوهايو أن ابقى اواصل تعليمي.. لكني رفضت ففضلت العودة مع والدي وابقى جواره وجوار الوالدة المريضة ايضاً). ومن هذه الصور انتقل بي شريط الاحداث الى الواقع المر وهو رحلتي الحالية الى الاهوار ولكن ليس كسياحة او للأستكشاف بل لتأدية امر غير مقتنع به، فشعرت بالغربة الشديدة .. حقيقة شعرت بغربة الحياة وكأنها سلسلة من الأفلام الطويلة التي لا تريد ان تنتهي أحداثها المأساوية.. ولكن ما كان يخفف عني هو وجود هذين الزميلين معي.. انه شعور غريب أن تتعلق بأمر مؤقت أو طارئ فالسبب ربما له علاقة بالضعف البشري الذي يتجلى في لحظة زمنية ما.
تبادلنا الاحاديث ولم يشعرا بخلجاتي المتكسرة ولكن لا شعورياً كنت احس بنوع من الارتياح لوجود الزميل الثاني معي الذي سيكون رفيق سفر الى العمارة.
وأثناء الحديث تفاجأت بما زاد من همي بل وأعاد موجات اليأس تدب في أعصابي المخدّرة بالواقع المرير، حيث قال الزميل طبيب الاسنان: "أخوان بعد نصف ساعة نصل الى الكوت وأول سيطرة راح اسأل عن وحدتي كيف اصل اليها وربما سيكون أخر لقاء بيننا، انا انتظر كتاب تسريحي بناءً على قبولي في الدراسات العليا، يعني كلها حسبة كم أسبوع وأرجع مدني".. وأنا في تلك الدقائق التي تسحق الاعصاب شعرت بأنانية هذا الزميل انه سيعود مدنياً ونحن نبقى اسرى نظام عسكري لا نعرف ماذا يريد.
(يتبع)
