للذهاب الى صفحة الكاتب   

لماذا هناك صراع أبدي بين الخير والشر؟

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

مقدمة

يظل السؤال عن الصراع الأبدي بين الخير والشر من أكثر الأسئلة إلحاحاً في التجربة الإنسانية والتأمل الفلسفي. فهو لا يُطرح بوصفه لغزاً نظرياً مجرداً فحسب، بل بوصفه تعبيراً عن معاناة متكررة ووعي أخلاقي لا ينقطع. الخير يُطلب ويُرجى ويُمدح، والشر يُقاوم ويُشجب ويُخشى، ومع ذلك يستمر التوتر بينهما عبر الأفراد والعصور والمؤسسات. المقاربة الفلسفية الإيتيقية لا تكتفي بوصف هذا الصراع أو بردّه إلى أسطورة أو إلى قوة كونية خارجية، بل تسعى إلى فهم شروط إمكانه وبنيته ودلالته بالنسبة إلى الحرية والمسؤولية والوجود الإنساني نفسه. لماذا لا ينتهي هذا الصراع؟ وهل أبديته علامة على نقص جذري في العالم أم على شرط أصيل في الكائن الأخلاقي؟ لذلك يبدو السؤال عن الصراع الأبدي بين الخير والشر بديهياً في ظاهره، مستنداً إلى تجربة متكررة من المعاناة والاختيار والمقاومة. غير أن المقاربة الاستشكالية تكشف أن هذا السؤال محمّل بافتراضات غير شفافة، وأن كل إجابة عنه تفتح إشكاليات جديدة أعمق من الإشكال الأصلي. فهل الصراع «أبدي» حقاً أم أن الأبدية إسقاط على تكرار تاريخي محدود؟ وهل «الخير» و«الشر» مقولتان ثابتتان تسمحان بالحديث عن صراع واحد ممتد، أم أنهما يعاد بناؤهما باستمرار بحيث يتغير موضوع الصراع نفسه؟ وهل تفسير الصراع بشرط إنساني دائم يحل الإشكال أم يعيد إنتاجه في صورة قدر لا يُمس؟ هذه الأسئلة تحول الاستفهام من طلب علة إلى مساءلة لبنية السؤال ذاته. فهل يمكن انهاء الصراع التاريخي بين الخير والشر؟ والى أي مدى يكون العنصر الثاني ضروريا لوجود العنصر الأول كضد له؟

 

إشكالية الأبدية: تكرار أم بنية أم إسقاط؟

أول الإشكاليات تتعلق بمفهوم الأبدية نفسه. القول بصراع أبدى يفترض امتداداً لا نهائياً أو على الأقل امتداداً يفوق كل تحقق تاريخي جزئي. لكن ما الذي نشاهده فعلاً؟ نشاهد تكراراً لأنماط من العنف والظلم والخيانة والتضامن والمقاومة عبر عصور مختلفة. هل يكفي التكرار ليثبت الأبدية؟ التكرار قد يكون ناتجاً عن شروط اجتماعية متشابهة أو عن محدودية الموارد أو عن بنيات سلطة تعيد إنتاج نفسها، لا عن ضرورة أنطولوجية لا تنفك. إذا كانت الأبدية مجرد اسم لتكرار لم ينقطع حتى الآن، فإنها تظل مفتوحة على إمكان الانقطاع المستقبلي، وتفقد طابعها الحتمي. وإذا كانت الأبدية بنية لازمة للكائن الأخلاقي أو للوجود نفسه، فإنها تتحول إلى حكم ميتافيزيقي يصعب إثباته من داخل التجربة الزمنية. كيف نميز بين ما لم ينته بعد وما لا يمكن أن ينتهي؟ الملاحظة التاريخية لا تكفي للحسم، والتأمل في الشرط الإنساني كثيراً ما يخلط بين ما هو عميق وما هو ضروري بالمعنى الصارم. الأبدية تبدو هنا أقرب إلى حكم تأملي منه إلى استنتاج مضبوط، وكل تفسير يستند إليها يحمل هشاشة هذا الحكم.

 

إشكالية استقرار مقولتي الخير والشر

الحديث عن صراع بين الخير والشر يفترض أن الطرفين يحتفظان بهوية كافية عبر الزمن والسياقات. غير أن ما يُعد خيراً في ثقافة أو عصر قد يُعد شراً في ثقافة أو عصر آخر، أو على الأقل يُعاد تقييمه جذرياً. العبودية، والقصاص الوحشي، والإقصاء باسم الطهارة، والتضحية بالفرد من أجل صورة متخيلة للكل، كلها نُظر إليها في سياقات معينة بوصفها مشروعة أو حتى واجبة، ثم أصبحت موضوعات إدانة أخلاقية واسعة.هل يعني ذلك أن الصراع الأبدى هو صراع بين مقولتين ثابتتين، أم بين تسميات متحولة تُلصق بمضامين متغيرة؟ إذا كانت المقولتان ثابتتين، احتجنا إلى معيار متعالٍ يحدد الخير والشر باستقلال عن السياقات، وهو معيار يصعب تبريره دون الوقوع في دوغمائية أو في تجريد يفرغ الأخلاق من كثافتها التاريخية. وإذا كانت المقولتان متحولة، فإن الحديث عن «الصراع نفسه» عبر التاريخ يصبح إشكالياً: ما الذي يتصارع حقاً إذا كان طرفا الصراع يعاد تعريفهما باستمرار؟ قد لا يكون هناك صراع أبدى واحد، بل سلسلة صراعات متباينة تُروى لاحقاً بوصفها فصلاً من قصة واحدة.

 

إشكالية المصدر: طبيعة أم حرية أم بنية أم سرد؟

التفسيرات الشائعة للصراع تتوزع على مصادر متقابلة، وكل مصدر يفتح ثغرة. إن نُسب الصراع إلى طبيعة إنسانية مزدوجة أو فاسدة، بدا التفسير حتمياً وقرُب من تبرير ما هو قائم بوصفه قدراً. وإن نُسب إلى الحرية، أصبح الخير والشر إمكانين مفتوحين، لكن الأبدية غدت مرتبطة باستمرار الحرية لا بضرورة الصراع نفسه، وظل السؤال قائماً: لماذا تميل الحرية مراراً نحو أشكال من الانغلاق أو الأذى؟ وإن نُسب إلى بنيات اجتماعية واقتصادية ورمزية، بدا الصراع تاريخياً وقابلاً للتحول مع تحول البنيات، فضعفت دعوى الأبدية. وإن نُسب إلى السرديات التي تنظم التجربة عبر ثنائية الخير والشر، ظهر احتمال أن يكون الصراع نفسه أثراً لإطار تأويلي يعيد إنتاج الانقسام بدلاً من مجرد وصفه. كل تفسير يضيء جانباً ويترك جانباً آخر معتمداً. الطبيعة تفسر التكرار لكنها تهدد بإفراغ المسؤولية. والحرية تحفظ المسؤولية لكنها لا تفسر بسهولة انتظام أنماط الشر. والبنية تفسر الانتظام التاريخي لكنها قد تختزل الفاعل إلى أثر. والسرد يفضح القوة الإنتاجية للخطاب لكنه قد يهوّن من واقع الألم والظلم بوصفهما مجرد تسميات. الإشكال أن السؤال عن «لماذا» يطلب علة موحدة، بينما الظاهرة تبدو متعددة الطبقات، وكل علة أحادية تُسطحها.

 

إشكالية الشر بوصفه طرفاً في الصراع

الصراع يفترض طرفين متقابلين. لكن ما وضع الشر أنطولوجياً وإيتيقياً؟ إن عُدّ الشر مبدأ إيجابياً نداً للخير، اقتربنا من ثنوية تجعل الوجود منقسماً إلى أصلين متصارعين، وهو تصور يثير صعوبة في فهم الوحدة أو في تأسيس معيار للترجيح دون افتراض مسبق لانتصار أحد الطرفين. وإن عُدّ الشر نقصاً أو غياباً للخير، أصبح الصراع غير متكافئ في بنيته: كيف يصارع الغياب الحضور، وكيف يفسر النقص شدة التنظيم أحياناً في الأفعال والأنظمة المدمرة؟ وإن عُدّ الشر أثراً لعلاقات أو لاختيارات أو لشروط، فقد طابع الطرف المستقل، وتحول الصراع إلى توتر داخل مجال واحد لا إلى صدام بين مجالين. هذه الصعوبة تنعكس على دعوى الأبدية. فصراع بين مبدأين متكافئين يمكن تصور استمراره بلا نهاية. أما صراع بين كمال ونقص، أو بين نظام واختلال، فيميل منطقياً إلى ترجيح إمكان الحسم، حتى لو تأخر. الإبقاء على الأبدية مع الإبقاء على عدم تكافؤ الطرفين يولد توتراً داخلياً في التفسير: إما أن يُرفع الشر إلى مرتبة مبدأ شبه مستقل فتقترب الثنوية، وإما أن يُخفض إلى نقص فتصبح الأبدية أقل بداهة.

 

إشكالية الوعي بالصراع وإنتاجه

هل الصراع بين الخير والشر موجود أولاً ثم يُوعى به، أم أن إطار الوعي الثنائي يسهم في إنتاجه وتعزيزه؟ المقاربة الاستشكالية تضع هذه الدائرية في الواجهة. فالثقافات التي تنظم العالم وفق ثنائية حادة للخير والشر تميل إلى تصنيف الأفعال والجماعات والمؤسسات ضمن أحد القطبين، وبذلك تخلق شروطاً لصراع يتغذى على التصنيف نفسه. العدو يُشيطن، والذات تُطهَّر، والحلول الوسط تُرفض بوصفها تواطؤاً، فتتسع دائرة الصراع بدلاً من أن تُدار. في المقابل، إنكار الثنائية أو النسبية المطلقة قد يضعف القدرة على تسمية الظلم ومقاومته، فيتحول الحذر من الثنائية إلى عجز أخلاقي. الإشكال أن الإطار الذي يسمح برؤية الصراع ومواجهته هو نفسه الإطار الذي قد يضخمه ويؤبده رمزياً. الوعي بالصراع ليس شفافاً؛ فهو جزء من آليات اشتغاله. وبالتالي فإن السؤال «لماذا يوجد صراع أبدى؟» قد ينقلب إلى سؤال آخر: إلى أي حد يسهم سؤالنا نفسه، بصيغته الثنائية والأبدية، في تثبيت ما يسعى إلى تفسيره؟

 

إشكالية الفعل في ظل دعوى الأبدية

إذا سُلم بأن الصراع أبدى، فما دلالة الفعل الأخلاقي؟ الأبدية قد تُفهم بوصفها دعوة إلى اليقظة الدائمة: ما دام الشر يعود بصور جديدة، وجبت المقاومة المتجددة. لكنها قد تُفهم أيضاً بوصفها ظل قدر يفرّغ الإنجازات الجزئية من معناها: إن كان الصراع لا ينتهي، فلماذا الجهد؟ الانتقال من المعنى الأول إلى الثاني سهل، وخصوصاً في لحظات الإرهاق أو اليأس التاريخي. هنا تظهر إشكالية إيتيقية دقيقة. فالتفسير الذي يعلل استمرار الصراع بالشرط الإنساني أو بالحرية أو ببنية الوجود قد يحفظ جدية المسؤولية، لكنه في الوقت نفسه يهدد بتحويل كل انتصار جزئي إلى مجرد هدنة. لكن كيف نحتفظ بدلالة الفعل دون أن نعد بالأبدية على نحو يبرر الاستكانة، ودون أن نعد بالنهاية المطلقة على نحو يولد وهماً خطراً؟ التوازن بين الاعتراف باستمرارية المهمة ورفض العدمية غير مضمون سلفاً، وكل خطاب عن الصراع الأبدى يتحرك على حافة هذا التوازن دون ضمان.

 

إشكالية الخلط بين المستويات

كثيراً ما يُخلط في تفسير الصراع بين مستويات متباينة: المستوى النفسي للدوافع والصراعات الداخلية، والمستوى الأخلاقي للحكم والمسؤولية، والمستوى الاجتماعي للبنى والمؤسسات، والمستوى الميتافيزيقي لأصول الخير والشر في الوجود. الخلط ينتج إجابات تبدو شاملة لأنها تجمع عناصر من كل مستوى، لكنها في الحقيقة تترك العلاقات بين المستويات غامضة. فهل الصراع النفسي أصل للصراع الاجتماعي أم العكس؟ وهل الحكم الأخلاقي يكتشف انقساماً أنطولوجياً أم يفرض شبكة تقييم على واقع أكثر تعقيداً؟ المقاربة الاستشكالية لا ترفض تعدد المستويات، لكنها ترفض سهولة الانتقال من أحدها إلى الآخر دون تبرير. وكلما ادعت إجابة أنها تفسر «الصراع الأبدى» دفعة واحدة من مستوى واحد، بدت اختزالية. وكلما جمعت المستويات دون ترتيب واضح، بدت تلفيقية. الإشكال المنهجي يظل قائماً: كيف نؤلف بين المستويات دون اختزال ودون غموض؟

 

 الصراع بوصفه ظاهرة إيتيقية لا مجرد واقعة طبيعية أو كونية

الصراع بين الخير والشر ليس في جوهره صدام قوى عمياء في الطبيعة أو التاريخ. إنه صراع يكتسب معناه داخل أفق أخلاقي، أي داخل أفق يميز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والقيمة، بين الحدث والمسؤولية. لو لم يوجد كائن قادر على التقييم والاختيار والحكم، لما كان هناك خير وشر بالمعنى الإيتيقي الدقيق، بل مجرد أحداث نافعة أو ضارة، منظمة أو فوضوية، ممتعة أو مؤلمة.

 

 الطبيعة لا تعرف الخير والشر بالمعنى الأخلاقي. الزلزال ليس شريراً، ولا المطر خيّراً، إلا من منظور أثرهما على كائنات قادرة على المعاناة والتقييم والمساءلة. الصراع الأبدي يبدأ حيث يبدأ الكائن القادر على أن يقول «ينبغي» أو «لا ينبغي»، وحيث يصبح الواقع موضوع مساءلة لا مجرد معطى. أبدية الصراع مرتبطة إذن بأبدية الشرط الإنساني بوصفه شرطاً أخلاقياً، لا بمجرد استمرار ظواهر فيزيائية أو بيولوجية.

 

 الجذور الأنثروبولوجية في انقسام الإنسان على ذاته

الإنسان كائن منقسم على ذاته. فهو يحمل ميولاً ودوافع وحاجات تدفعه نحو حفظ ذاته وتوسيع قوتها وإشباع رغباتها المباشرة، ويحمل في الوقت نفسه قدرة على النظر إلى هذه الميول من مسافة، وعلى تقييمها وفق مبادئ تتجاوز المنفعة القريبة أو الرغبة العابرة. هذا الانقسام الداخلي هو التربة الأولى للصراع بين الخير والشر. من هذا المنطلق الشر كثيراً ما يظهر بوصفه انحيازاً إلى الميل الجزئي على حساب المبدأ القابل للتعميم، أو تفضيلاً للذات المغلقة على حساب العلاقة العادلة بالآخر، أو اختياراً للسهولة أو السيطرة أو الانتقام بدلاً من الجهد الأخلاقي. أما الخير فليس مجرد انسجام طبيعي تلقائي، بل مقاومة لهذا الانحياز، ومطلب يفرض نفسه حتى حين يتعارض مع المصلحة أو الرغبة أو الراحة.

 

 أبدية الصراع تنبع من أن هذا الانقسام لا يُلغى نهائياً. فحتى أكثر الناس فضيلة يظل عرضة للضعف والإغراء والتبرير الذاتي. وحتى أشد المجتمعات تنظيماً وأخلاقية تظل تنتج أشكالاً جديدة من الإقصاء أو اللامبالاة أو العنف الرمزي أو المؤسسي. الإنسان لا يخرج من طبيعته المزدوجة بقفزة واحدة إلى حالة نقاء دائم. الصراع يتجدد مع كل وضع جديد ومع كل قدرة جديدة على الفعل.

 

 الحرية بوصفها شرط إمكان الخير والشر وشرط تجدد الصراع

لو كان الإنسان مجرد ناتج حتمي لعلل سابقة، لما كان هناك خير وشر بالمعنى الإيتيقي، بل مجرد سلوكيات ناجحة أو فاشلة وفق معيار خارجي. الحرية هي ما يجعل الفعل قابلاً للإسناد والمساءلة، وهي ما يجعل الخير ممكناً بوصفه اختياراً لا مجرد انسياباً طبيعياً، وما يجعل الشر ممكناً بوصفه انحرافاً لا مجرد قصوراً آلياً. لكن الحرية نفسها هي ما يجعل الصراع متجدداً على نحو يبدو أبدياً. فالحرية لا تتحقق مرة واحدة وإلى الأبد في صورة ميل راسخ لا ينقلب. بل تظل قدرة متجددة على البدء من جديد، وبالتالي قدرة متجددة على الانحراف أيضاً. كل قرار أخلاقي يعيد فتح الإمكانية، وكل وضع جديد يعيد طرح السؤال. الأبدية هنا ليست أبدية جوهرين ميتافيزيقيين يتصارعان خارج الزمن، بل أبدية تجدد الإمكان الأخلاقي داخل الزمن الإنساني. من الزاوية الإيتيقية، يعني ذلك أن الصراع لا يُلغى بإلغاء الحرية، لأن إلغاء الحرية يعني إلغاء الأخلاق نفسها. ولا يُلغى بتحقيق كمال نهائي يغني عن الاختيار، لأن مثل هذا الكمال يخرج الإنسان من شرطه بوصفه كائناً يعمل ويقرر ويخطئ ويصحح. الصراع يستمر لأن الحرية تستمر، ولأن الوضع الإنساني يظل وضعاً متوسطاً بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

 

الشر بوصفه إمكاناً ينبع من القدرة الإنسانية ذاتها

في بعض التصورات يُفهم الشر بوصفه نقصاً أو غياباً للخير. هذا الفهم يحفظ وحدة الوجود ويرفض جعل الشر مبدأ أنطولوجياً مستقلاً. غير أنه يواجه صعوبة في تفسير شدة بعض أشكال الشر وفعاليتها وتنظيمها. فهناك أفعال وأنظمة وعلاقات تبدو لا مجرد نقص في الخير، بل توجيهاً فعالاً ضد ما يقتضيه الاحترام أو العدالة أو الرحمة. من منظور إيتيقي يمكن فهم الشر بوصفه إمكاناً ينبع من الحرية والقدرة نفسيهما:إمكانية استخدام القدرات الإنسانية ضد الغايات التي تجعل هذه القدرات ذات معنى أخلاقي. العقل يمكن أن يبرر الظلم، والتنظيم يمكن أن يخدم الإخضاع، واللغة يمكن أن تخدع، والتعاطف يمكن أن يُوجَّه انتقائياً فيعزز الإقصاء. الشر ليس قوة خارجية تغزو الإنسان من خارج، بل إمكانية داخلية لانقلاب الوسائل على الغايات، أو لانغلاق الذات على حساب الآخر، أو لتفضيل السيطرة على الاعتراف. لهذا يبدو الصراع متجدداً على نحو مستمر. فما دام الإنسان قادراً على الفعل المنظم والواعي، ظل قادراً على توجيه هذا الفعل نحو تدمير أو استغلال أو إقصاء. الخير لا يقضي على هذه الإمكانية مرة واحدة وإلى الأبد، بل يواجهها في كل مرة تظهر فيها بصورة جديدة. الصراع يتجدد لأن إمكان الشر يتجدد مع كل توسع في القدرة الإنسانية ومع كل سياق علائقي جديد.

 

 البعد العلائقي والمؤسسي للصراع

الخير والشر ليسا خاصيتين منعزلتين لأفعال فردية فقط، بل يتحققان داخل علاقات. الاعتراف بالآخر أو إنكاره، الإنصاف أو الاستغلال، التضامن أو اللامبالاة، كلها تتشكل في فضاء بينذاتي واجتماعي. الصراع الأخلاقي هو صراع حول كيفية بناء هذا الفضاء: هل يقوم على التبادل المتكافئ أم على السيطرة، على الإصغاء أم على الإسكات، على تقاسم الشروط أم على احتكارها. أبدية الصراع هنا ترتبط بأبدية العلاقة بالآخر وبأبدية الحاجة إلى تنظيم العيش المشترك. طالما وُجد آخر مختلف في المصلحة أو الرؤية أو القوة، ظل إمكان الصراع حول الاعتراف والموارد والكرامة قائماً. والمجتمعات والمؤسسات لا تنهي هذا الصراع، بل تنقله إلى مستويات أخرى. القانون يكبح أشكالاً من الأذى ويعيد في الوقت نفسه إنتاج أشكال أخرى عبر ثغراته أو تحيزاته أو صمته. التربية تنمي القدرة على الحكم الأخلاقي وقد تكرس أنماطاً من الإقصاء أو الطاعة العمياء. التقدم التقني يوسع إمكان تخفيف المعاناة، ويوسع في الوقت نفسه إمكان التدمير والمراقبة والاستغلال على نطاق أوسع. الصراع لا يختفي مع التعقيد، بل يتغير شكله ويتجدد في سياقات جديدة.

 

 أبدية الصراع بوصفها أفقية المسؤولية لا قدراً عدمياً

القول بأبدية الصراع بين الخير والشر لا يعني الاستسلام لتعادل أبدى بين طرفين متكافئين، ولا يعني أن كل جهد أخلاقي عقيم. من المنظور الإيتيقي يمكن فهم الأبدية بوصفها أفقية لا عدمية. فالصراع مستمر بمعنى أنه لا يبلغ نهاية تاريخية مطلقة يُلغى فيها إمكان الشر إلى الأبد ويصبح الخير تلقائياً لا يحتاج إلى اختيار أو يقظة. لكنه ليس مستمراً بمعنى أن لا فرق بين وضع وآخر أو بين فعل وآخر. هناك إمكانيات حقيقية لتقليص أشكال معينة من الأذى، ولتوسيع دوائر الاعتراف، ولتحسين المؤسسات، ولتنمية القدرة على التعاطف والحكم النقدي. هذه الإمكانيات تجعل الفعل الأخلاقي ذا معنى ودلالة. غير أن كل تحقق جزئي للخير يفتح في الوقت نفسه سياقات جديدة تظهر فيها تحديات أخلاقية جديدة. الأبدية تعني استمرار المهمة لا استحالة أي إنجاز. بهذا المعنى يكون الصراع المستمر تعبيراً عن أن الأخلاق ليست حالة تُبلغ وتُستملك مرة واحدة، بل مهمة متجددة. الخير ليس رصيداً نهائياً يُكنز، بل ممارسة تُعاد في كل مرة. والشر ليس عدواً خارجياً يُهزم إلى الأبد، بل إمكان يُقاوم كلما ظهر. الأبدية هنا هي أبدية المسؤولية لا أبدية اليأس.

 

 التوتر بين الطموح إلى النهاية وضرورة البقاء في الشرط الوسط

يطمح بعض التصورات إلى نهاية للصراع: عالم يسود فيه الخير تماماً، أو حالة من المصالحة المطلقة، أو طبيعة إنسانية تُصلح نهائياً فلا يعود الشر ممكناً. هذا الطموح مفهوم لأنه ينبع من رفض الألم والظلم. غير أنه ينطوي على خطر إيتيقي: خطر تصور حالة يغنى فيها الإنسان عن الحرية واليقظة والمساءلة المستمرة. عالم بلا إمكان للشر قد يكون عالماً بلا إمكان أخلاقي بالمعنى الكامل، لأنه عالم بلا اختيار حقيقي وبلا مسؤولية حية. المقاربة الفلسفية الإيتيقية تحتفظ بالتوتر بدل حسمه. فهي ترفض تطبيع الشر أو التهون منه، وترفض في الوقت نفسه وهم النهاية المطلقة التي تلغي الشرط الإنساني. الصراع يستمر لأن الإنسان يستمر بوصفه كائناً حراً محدوداً، يعيش مع آخرين، داخل مؤسسات ناقصة، ويملك قدرات يمكن توجيهها في اتجاهات متقابلة. القبول بهذا التوتر ليس استكانة، بل اعتراف بشروط الفعل الأخلاقي الحقيقية.

 

خاتمة

الصراع المستمر بين الخير والشر ليس لغزاً كونياً يُفسر بقوى ميتافيزيقية متخارجين فحسب، ولا مجرد بقايا نقص يمكن للتقدم أن يمحوها نهائياً. إنه ينبع من بنية الكائن الأخلاقي نفسه: من انقسامه الداخلي بين الميل والمبدأ، ومن حريته التي تجعل الاختيار ممكناً والانحراف ممكناً، ومن علاقته بالآخر التي تفتح أفق الاعتراف وأفق الإنكار، ومن قدراته التي يمكن أن تُستخدم للبناء أو للهدم، ومن طابع المؤسسات والعلاقات التي تنقل الصراع إلى مستويات جديدة بدل إنهائه. استمرار هذا الصراع يعني أن المهمة الأخلاقية لا تُغلق، وأن اليقظة لا تُستبدل بحالة نهائية من الضمان، وأن كل تحقق للخير يظل جزئياً ومهدداً وقابلاً للتجدد في صورة أخرى من التحدي. غير أن هذا الاستمرار لا يلغي الفرق بين الفعل المسؤول والفعل المدمر، ولا يجعل الجهود متكافئة في العقم. بل يضع الإنسان أمام مسؤوليته الدائمة: أن يختار ويعيد الاختيار، وأن يقاوم إمكان الشر كلما تجدد، وأن يبني من العلاقات والمؤسسات ما يوسع فضاء الاحترام والعدالة دون أن يتوهم أنه أغلق ملف الشر إلى الأبد. بهذا تغدو الإجابة فلسفية إيتيقية في جوهرها: هناك صراع مستمر بين الخير والشر لأن الإنسان كائن أخلاقي حر محدود يعيش مع آخرين في عالم غير مكتمل. والصراع لا ينتهي لأن الحرية لا تنتهي، ولأن الآخر لا يختفي، ولأن القدرة على الفعل تظل مزدوجة الإمكان. وفي هذه الازدواجية، لا في حلم النهاية المطلقة، يكمن معنى الفعل الأخلاقي وضرورته واستمراره. هكذا تكشف المقاربة الاستشكالية أن السؤال عن الصراع الأبدى بين الخير والشر لا يملك إجابة واحدة مستقرة، لأنه محمّل بإشكاليات تسبق الإجابة. فالأبدية مترددة بين التكرار الملاحظ والضرورة المفترضة، ومقولتا الخير والشر غير ثابتتين بما يكفي لضمان وحدة موضوع الصراع عبر الزمن، ومصادر التفسير تتنازع وتترك ثغرات، ووضع الشر أنطولوجياً يربك بنية الصراع نفسها، والوعي الثنائي قد يسهم في إنتاج ما يدّعي وصفه، ودعوى الأبدية تهدد دلالة الفعل الأخلاقي باليأس أو باليقظة المرهقة دون معيار حاسم، والخلط بين المستويات يضعف صلابة أي تفسير شامل. هذه الإشكاليات لا تنفي واقع الألم أو الظلم أو الاختيار الصعب، ولا تدعو إلى الصمت الأخلاقي. لكنها تظهر أن صيغة «الصراع الأبدى بين الخير والشر» إطار تأويلي قوي وخطّاء في آن واحد: قوي لأنه يلتقط تكراراً مؤلماً ويحفز المقاومة، وخطّاء لأنه قد يثبت ثنائية ويؤبدها ويرفعها إلى قدر، بينما تكون الظاهرة أكثر تعددية وتحولاً والتباساً مما تسمح به الصيغة. بهذا يغدو السؤال نفسه جزءاً من المشكل لا مجرد مدخل إليه. والإجابة الأكثر أمانة ربما لا تكون علة نهائية، بل تفكيكاً مستمراً للافتراضات التي تجعل الصراع يبدو واحداً وأبدياً وواضحاً في طرفيه. وفي هذا التفكيك، لا في الحسم الميتافيزيقي، تتسع المساحة لفهم أدق للتوترات الأخلاقية، ولمسؤولية لا تستند إلى أسطورة صراع أزلي بقدر ما تستند إلى مواجهة متجددة لأشكال ملموسة من الأذى والإقصاء والانغلاق، في كل مرة تظهر فيها، وتحت أي اسم اتخذت. فماهي فلسفة الأخلاق ما بعد النظرية الميتافيزيقية التي تكرس التعددية المعيارية وتفكك الثنائية؟