
من رحم النضال- للتأريخ/ 103
د. مزاحم مبارك مال الله
"اهلاً وسهلاً بالأطباء، حياكم الله، عمي (مشيراً لي)، راح تنزل يم ذاك تانكي الماي، جاي تشوفة؟" فقلت نعم بعد ان ادركته وهو ليس ببعيد. ووجه كلامه هذه المرة الى السائق: "نزل الدكتور يم التانكي ذاك"
- يدلل الدختور وكل الهلا
اما انت دكتور (مشيراً الى زميلي).. هناك اسأل عن وحدتك لأن ما متأكد منها..
احد الركاب من الخلف ويبدو انه كان متصنتاً، سأل زميلي،
• "دكتور انت بيا لواء؟
- اللواء الأول
• اني باللواء الأول.. ابقى وياي وننزل سوة
تشكرنا منه.. انطلقت العجلة مرة ثانية وبدت على السائق علامات الحيرة والتعجب قائلاً وموجهاً كلامه لكلينا:
"واني متعجب انتم لابسين قيافة مال ضباط بس بدون رتب، اثاري انتم دخاترة، كل الهلابيكم، الله يحفظكم يابة"..
بعد ان اخذ سيكارة وصلنا الى تانكي الماء.
ترجلت من العجلة وآثرت الى ان اودع زميلي الطبيب الافغاني الأصل على امل ان نلتقي يوماً (ولم التقه بعد ذلك)..
بقيت واقفاً في مكاني والعجلة غادرت. في تلك اللحظات بدأ التطبيق الفعلي لمعنى الغربة.. رفيقاي غادرا المشوار الواحد تلو الاخر، وقت الغروب متجه مسرعاً نحو الظلام.. مكان قاحل لم اسمع فيه غير أصوات نباح الكلاب وبكثرة.. كيف هي عائلتي وماذا يفعلون الان.. هنودة التي أشعلت فيّ كل هواجس ومشاعر الأبوّة والحياة والحب وصوت ضحكاتها البريئة كزقزقة العصافير يدوي في جمجمتي، وما انفكت صور ناطحات السحاب في نيويورك والبحيرات الخمسة الفاصلة بين كندا وأميركا من جانب كليفلاند - اوهايو الأميركية، مطار هيثرو ومستشفيات الناصرية.. كم كانت تلك الدقائق ثقيلة وثقيلة جداً والتي لم يخففها الا صوت بشوش مؤدب جائني من الخلف، يا هلا، محتاج شي اخوية؟ وين تريد تروح؟ وكان عسكرياً يحمل بندقية على كتفه، فقلت: اريد لواء الاهوار الثالث فقال:
"وصلت".. اي وشرايد ؟
اني طبيب منقول اليكم
فضاعف من ترحابه حينما سمع كلمة طبيب وقال: "دكتور تعال وياي.. اهلاً وسهلاً"
حملت حقيبتي الصغيرة.. ومشيت وراؤه في ممرات أرضية لم اعهدها سابقاً الا في ازقة مدينة البياع القديمة حينما كنا في الابتدائية خصوصاً تلك الشوارع والممرات التعسة التي تتكون بعد ان تجف إثر هطول الامطار الغزيرة..
وأنا اسير مع هذا العسكري المسكين وعلى عدد أجزاء الثواني كنت اتخيل وأتمنى الوصول الى نهاية هذه الرحلة الشاقة التي امتدت الى ساعات طويلة، فبدأت اشعر بالإرهاق والتعب وبدأت حرارتي ترتفع .
(يتبع)
