
نحو تجديد المشروع الوطني الديمقراطي
5. برنامج الحزب الشيوعي العراقي: بين الإرث التاريخي ومتطلبات التجديد
يونس متي
لا يمكن قراءة أي برنامج سياسي بمعزل عن الظروف التاريخية والاجتماعية التي نشأ فيها. فالبرامج ليست نصوصاً ثابتة خارج الزمن، وإنما هي تعبير عن فهم معين لطبيعة المجتمع، وبنية الدولة، والقوى الاجتماعية، والمهام التي تفرضها مرحلة تاريخية محددة. ومن هنا فإن برنامج الحزب الشيوعي العراقي يمثل خلاصة مرحلة طويلة من التراكم الفكري والسياسي، عبّر خلالها الحزب عن رؤيته وقيمه وتجربته في العمل الوطني والاجتماعي. غير أن الحفاظ على هذا الإرث لا يعني تجميده، بل يقتضي إعادة قراءته في ضوء التحولات التي شهدها العراق والمجتمع خلال العقود الماضية.
لقد نشأ برنامج الحزب في سياقات تاريخية شهد فيها العراق تحولات كبرى، وكانت فيه طبيعة الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات السياسية تختلف بصورة كبيرة عما هي عليه اليوم. وقد عبّر البرنامج، في مراحله المختلفة، عن قضايا مركزية ارتبطت بالنضال من أجل الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق العمال والكادحين، وبناء دولة وطنية مستقلة، ومواجهة أشكال الاستبداد والتبعية.
ولا شك أن هذه المبادئ ما زالت تحتفظ بأهميتها، بل إن الحاجة إليها ازدادت في ظل الأزمات التي يعيشها العراق اليوم. غير أن الحفاظ على المبادئ لا يعني بالضرورة بقاء الأدوات والمفاهيم نفسها دون مراجعة. فالواقع الذي يتحرك فيه الحزب اليوم يختلف عن الواقع الذي صيغت في ظله كثير من التصورات السابقة، الأمر الذي يجعل إعادة قراءة البرنامج ضرورة سياسية وفكرية، لا خياراً ثانوياً.
فالعراق بعد عام 2003 شهد تحولات عميقة في طبيعة الدولة والنظام السياسي. فقد ظهرت بنية سياسية قائمة على المحاصصة، واتسعت ظواهر ضعف الدولة وتداخل السلطات، وتعزز الاقتصاد الريعي، وتغيرت طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة. كما نشأت فئات اجتماعية جديدة، وتبدلت أشكال العمل والإنتاج، وتغيرت وسائل التعبير والتنظيم السياسي، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة.
وهنا تبرز قضية أساسية تتعلق بقدرة مفاهيم البرنامج الحالية على استيعاب هذه التحولات، ومدى ملاءمة طريقة تصنيف القوى الاجتماعية وتحديد قوى التغيير وتشخيص طبيعة الصراع السياسي لواقع العراق اليوم.
إن أحد التحديات الكبرى أمام أي مراجعة برنامجية هو الانتقال من قراءة الماضي إلى قراءة الحاضر. فالمجتمع العراقي لم يعد هو المجتمع نفسه الذي كانت فيه مواقع الإنتاج التقليدية تحدد بدرجة كبيرة مواقع الفئات الاجتماعية وأدوارها السياسية. فقد أدى الاقتصاد الريعي، وتوسع القطاع العام، وانتشار الاقتصاد غير المنظم، وتغير أنماط العمل، إلى نشوء واقع اجتماعي أكثر تعقيداً يحتاج إلى أدوات تحليل جديدة.
كما أن مفهوم المشروع الوطني الديمقراطي يحتاج إلى مزيد من التحديد في ضوء تجربة العراق خلال العقود الأخيرة. فالمطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن الديمقراطية بوصفها آلية سياسية، بل بناء مضمون اجتماعي واقتصادي لها؛ ديمقراطية قادرة على مواجهة الفقر والبطالة والفساد، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون والتنمية.
ومن القضايا التي تستحق مراجعة عميقة أيضاً مسألة العلاقة بين الحزب والمجتمع. فالأحزاب لا تُقاس فقط بصحة أفكارها، بل بقدرتها على الوصول إلى الناس، وفهم مشكلاتهم اليومية، وتحويل المبادئ العامة إلى قضايا ملموسة يشعر المواطن بأنها تمس حياته ومستقبله. وفي عصر تتغير فيه وسائل التواصل وأشكال التنظيم، يصبح من الضروري تطوير أساليب العمل السياسي والتنظيمي بما يتناسب مع طبيعة المجتمع الجديد.
كما أن مراجعة البرنامج ينبغي أن تشمل العلاقة بين الفكر والممارسة. فالمشروع السياسي لا يكتسب تأثيره من قوة أفكاره فقط، بل من قدرته على تحويل هذه الأفكار إلى مبادرات ومواقف وسياسات قادرة على بناء الثقة مع المجتمع. فالبرنامج الذي لا يجد طريقه إلى الواقع يبقى وثيقة فكرية مهمة، لكنه يفقد جزءاً أساسياً من وظيفته كأداة للتغيير.
إن مراجعة البرنامج لا تعني البحث عن أخطاء الماضي فقط، كما أنها لا تعني استبدال كل ما سبق بأفكار جديدة. فالتجارب التاريخية لا تُلغى، بل تُقرأ وتُستخلص منها الدروس. والبرنامج القادر على الاستمرار هو الذي يجمع بين وضوح المبادئ والقدرة على التطور، وبين الوفاء للتاريخ والاستعداد للمستقبل.
ويبقى أمام هذه المراجعة تحدٍّ أساسي يتمثل في تحويل المشروع الوطني الديمقراطي من رؤية عامة إلى برنامج قادر على مخاطبة عراق اليوم، وفئاته الاجتماعية الجديدة، وتحدياته المعقدة. فالتجديد الحقيقي لا يبدأ بكتابة نص جديد فقط، بل بإعادة بناء العلاقة بين الفكر والواقع، وبين البرنامج والمجتمع، وبين المبادئ والأدوات القادرة على تحقيقها. وهنا تكمن مسؤولية أي مراجعة تاريخية جادة: أن تحول الإرث المتراكم من ذاكرة سياسية إلى طاقة قادرة على إنتاج المستقبل.
