للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال- للتأريخ/ 104

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

وأنا اسير مع هذا العسكري المسكين وعلى عدد أجزاء الثواني كنت اتخيل وأتمنى الوصول الى نهاية هذه الرحلة الشاقة التي امتدت الى ساعات طويلة، فبدأت اشعر بالإرهاق والتعب وبدأت حرارتي ترتفع، حيث أتوقع أن تهاجمني نوبة من نوبات (حمى البحر المتوسط الوراثية MFM) لذلك كان في جعبتي دوماً اشرطة من خافضات الحرارة ومسكنات الالام.

 

لم أتمكن من فرز تفاصيل هذا المكان لأن الظلام قد حل تماماً والإنارة خافتة (انارة الفوانيس النفطية).. وقال لي العسكري الذي اصطحبني- تفضل استريح هنا وراح ابلغ الضابط الخفر..

شكرته – وجلست على ما يشبه الكرسي الا انه مستهلك تقريباً.. ما هي الا دقائق وجائني ضابط برتبة ملازم، صافحني مرحباً بشدة ومرحباً.. اخذ الكتاب مني وقال نحن القلم (قلم اللواء راح اخابر امر اللواء.. انتظر دكتور من فضلك).

 

غاب هذا الضابط لفترة جاوزت الربع ساعة وجاء قائلاً – اكيد الدكتور جوعان وتعبان" متعشي ..لا؟

فأجبته مال تعبان ففعلاً انا تعبان وأشكرك لا اريد شيء.. وسألته: هل سأبقى هنا؟ (أملاً ان اجد فسحة كي انام فيها فقد بدأت نوبة الحمى تأخذ حيزها في جسدي) ، فقال:

"اذا يعجبك تبقى للصبح هنا فأهلا وسهلاً ولكن يجب ان تذهب الى مقر اللواء من وكت، وأضاف: مقر اللواء مو بعيد نصف ساعة من هنا.. افضل ان تكون هناك قبل ما يصحى امر اللواء لتقديمك له"..

شكرته – وانطلقت بي سيارة (الواز– هكذا يطلقون عليها في الجيش)- طبعاً لم اسمع بهذه التسمية من قبل – جلست في السيارة على امل الوصول الى مقر اللواء بعد نصف ساعة كما قال الضابط المؤدب.

 

حينما تحركت سيارة الواز بأتجاه مقر اللواء ففعلاً شعرت ان لهيب ارتفاع حرارة جسمي راح يدب في جسدي كله ولم اعد اقوى على مقاومة كل هذا الضغط والذي بدأ منذ الساعة الخامسة والنصف صباحاً حينما استيقضت لمغادرة بغداد ملتحقاً بالزميلين في ساحة النسور، والان الساعة قد جاوزت الثامنة مساءً وما زاد من استهلاك ما تبقى لي من قوة التحمّل الجسدي هو الدرب الوعر جداً الذي سارت فيه الواز وكان يمتاز بمختلف التضاريس التي مرّت علي في دروس الجغرافية. ارتفاعات ومنحدرات وتلال وهضاب ووديان وجداول وفجأة تهبط السيارة وكأنها تريد السقوط في وادٍ.. فمرة ترتفع وكأن شيئاً ما رفعها ومرة تهبط وكأن شيئاً ما زلزل الأرض تحت عجلاتها.

(يتبع)