للذهاب الى صفحة الكاتب   

تصرفات تضحكنا

صالح مهدي محمد

 

 

في حياتنا اليومية أشياء كثيرة تحتاج إلى تفسير، وأشياء أكثر تحتاج إلى أن نضحك قبل أن نفكر في تفسيرها.

خذ مثلاً عبارة «دقيقة وأجيك».

هذه ليست وحدة زمنية معترفاً بها في كتب الفيزياء، لكنها عندنا قد تعني خمس دقائق، أو ساعة، أو ربما «لا تنتظرني، أنا نفسي لا أعرف متى أجي».

والأجمل أنك إذا اتصلت بعد نصف ساعة وسألت:

ـ وينك؟

يأتيك الجواب بكل ثقة:

ـ هسه طالع.

وهنا لا تعرف هل هو طالع من البيت، أم من العمل، أم من القرن الماضي.

حتى المواعيد عندنا لها شخصية مستقلة.

إذا قلت لشخص: «نتلاقى الساعة خمسة؟»

يقول:

ـ تمام.

تصل الساعة خمسة، فلا تجده.

تتصل به:

ـ وينك؟

ـ بالطريق.

وهذه أيضاً عبارة تحتاج إلى دراسة جغرافية.

أي طريق؟

وإلى أين؟

وكم تبعد نقطة الانطلاق عن «بالطريق»؟

ثم تمر نصف ساعة، فتتصل مرة أخرى:

ـ وين وصلت؟

ـ قريب.

وكلمة «قريب» عندنا لا علاقة لها بالمسافة، بل بالحالة النفسية.

قد يكون قريباً جداً، وقد يكون في مكان يحتاج يوم كامل أن يصل، لكنه يشعر في داخله أنه قريب.

 

أما في السوق، فالحكاية مختلفة.

تدخل لتشتري شيئاً واحداً.

تخرج ومعك أربعة أشياء لا تحتاجها، وشيء واحد تحتاجه لكنه أغلى مما توقعت.

تسأل البائع:

ـ ماكو أرخص؟

يقول:

ـ أكو.

تفرح.

ـ وين؟

ـ هذا هو الأرخص.

تنظر إلى السعر، فتكتشف أن «الأرخص» ليس سعراً، بل تحذيراً.

وفي البيت تبدأ محاكمة المصروف.

زوجتك تسأل:

ـ ليش اشتريت هذا؟

تقول:

ـ كان عليه تخفيض.

فتسأل:

ـ شكد التخفيض؟

تتردد قليلاً.

ثم تقول:

ـ عشرة بالمئة.

فترد:

ـ يعني وفرت شكد؟

تبدأ بالحساب.

تكتشف أنك دفعت أكثر مما كنت تنوي، لكنك وفرت عشرة بالمئة.

وهنا تفهم أن التخفيض أحياناً لا يجعلنا نوفر المال، بل يجعلنا نشعر أننا لم نخسره بالكامل.

 

أما الهاتف، فقد أصبح فرداً من أفراد العائلة.

نعرف من خلاله أين أكل صديقنا، وماذا اشترى قريبنا، ومن سافر، ومن تزوج، ومن انفصل، ومن نشر صورة وهو يكتب: «الحمد لله على كل حال».

لكننا لا نعرف أين اختفت آخر ساعة من يومنا.

نفتح الهاتف لدقيقة.

نغلقه بعد ساعة.

نسأل أنفسنا:

«شنو كنت أريد؟»

لا نتذكر.

نفتح الهاتف مرة أخرى حتى نتذكر.

وهكذا ندخل في دورة حضارية متكاملة.

وفي نهاية اليوم، عندما نصل إلى السرير، نقول:

«غداً أنظم وقتي.»

ثم نضبط المنبه على السابعة.

يرن المنبه في السابعة.

نمد يدنا ونغلقه.

ونقول:

«خمس دقائق بعد.»

تلك الخمس دقائق بالذات هي أطول خمس دقائق في حياتنا.

نستيقظ بعدها متأخرين، نرتدي ملابسنا على عجل، نخرج، نركض، نصل متأخرين، ونقول لمن ينتظرنا:

«الطريق كان زحمة.»

مع أن الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تفسير هي أننا تأخرنا.

لكن لا بأس.

غداً سنبدأ حياة منظمة.

من الساعة السابعة صباحاً تحديداً.

وغداً، كالعادة، سنبدأ من بعد غد.