
نطالب بالتحري حول تضخم اموال عائلة البرزاني
سعد السعيدي
من المقالة السابقة حول فضائيي قوات البيشمركة والتي ننتظر قيام النزاهة الاتحادية بعملها فيها نأتي الى امر سوء استخدام البرزانيين لاموال الاقليم وقطعا ايضا لاموال التمويل الاتحادي لمآرب خاصة كالاغتناء بطريق التجارة في العقارات في الولايات المتحدة. وقد اعتمدنا في هذه المقالة على تحقيق استقصائي مترجم نشر على موقع العالم الجديد في تشرين الاول من العام الماضي.
يكشف التحقيق الاستقصائي لمشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد، عن شبكة مالية معقدة تديرها عائلة الرئيس السابق لإقليم كردستان وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، استخدمت لتحويل الأموال إلى الخارج وتمويل حياة مترفة لأفرادها في الولايات المتحدة.وتشير الوثائق المسرّبة في التحقيق، إلى أن الإخوة الخمسة -أبناء البارزاني- قد انفقوا عشرات الملايين على عقارات فاخرة ومظاهر رفاهية شخصية، عبر شركات واجهة في جزر العذراء البريطانية والولايات المتحدة، بتمويل من تكتلات اقتصادية كردية مثل غولدن ايغل غلوبال وستار غروب.
وعلى الرغم من ان محامي العائلة أكدوا أن جميع التحويلات “قانونية” وتدخل ضمن “أنشطة تجارية مشروعة”، إلا أن الوثائق توضح أن هذه الشركات استخدمت كواجهة لإخفاء الملكية وتغطية النفقات الشخصية للعائلة، في وقت يعاني فيه المواطن الكردي من مستويات دخل متدنية لا تتجاوز 500 دولار شهريا.
تظهر الوثائق أن الاخوة بارزاني قد امتلكوا ما لا يقل عن 31 عقارا في الولايات المتحدة بين 2005 و2019. تتوزع هذه بين ولايات فرجينيا وفلوريدا وتكساس وكاليفورنيا، وتشمل قصورا فخمة وشققا تجارية ومبان تضم مطاعم وصيدليات. احد ابرز الممتلكات كان قصر “كازا ديفينا” في ضاحية “غريت فولز” بفرجينيا، اشتراه مصطفى البارزاني عام 2013 بمبلغ 5.6 ملايين دولار عبر شركة واجهة، وأنفق أكثر من نصف مليون دولار على الأثاث واللوحات وبيانو فاخر، قبل أن يبيعه في 2022 مقابل 6.25 ملايين دولار.
وتؤكد الوثائق أن أكثر من 10 ملايين دولار من أموال الشراء جاءت من شركةغولدن ايغل غلوبال، وهي تكتل اقتصادي في كردستان يُعتقد أن مصطفى البارزاني كان يسيطر عليه في السر. كما أظهرت تحويلات أخرى أن 18 مليون دولار إضافية وصلت من مجموعةستار غروب التي وُصفت بأنها تابعة فعليا لرئيس الوزراء الحالي مسرور البارزاني.
ولاجل الحفاظ على السرية، أنشأ مكتب المحامي الأمريكي جوناثون مور، هيكلا معقدا لإخفاء الملكية عبر شركات أوفشور. وفي عام 2007، كتب أحد موظفي العائلة إلى مور معربا عن قلقه من ظهور أسماء الإخوة على السجلات العقارية الأمريكية، فاقترح إنشاء شركات في جزر العذراء البريطانية بأسماء مستعارة مستوحاة من شخصيات سلسلة “قراصنة الكاريبي” - مثل “جاك سبارو” و”إدوارد تيغ”- بحيث تمتلك هذه الشركات بدورها شركات أمريكية مسجّلة في ولايتي ديلاوير وفرجينيا المعروفتين بالسماح بالملكية المجهولة. هذه الشركات الأمريكية وليس الأفراد أنفسهم، هي التي كانت تشتري العقارات، مما سمح للعائلة بإبقاء هويتها بعيدة عن السجلات العامة. وتؤكد مخططات مكتب مور المسرّبة أن الهيكل طُبّق فعلا، رغم أن أسماء بعض الشركات تغيرت لاحقا.
إضافة إلى العقارات، أظهرت الوثائق نفقات باهظة على السفر والخيول والمجوهرات. ففي العام 2017، تواصلت كاتيا فريكر زوجة مصطفى البارزاني المقيمة في سويسرا مع المحامي مور لترتيب التأمين لخيول عربية أصيلة كانت تنوي شراءها. كتب مور ينصحها بعدم الشراء باسم شركة العائلة حفاظا على الخصوصية، مقترحا إنشاء كيان منفصل لتملك الخيول. هذا المثال يعكس حرص العائلة على السرية في كل نشاط مالي، حتى في الصفقات الصغيرة.
كما تكشف الوثائق أن شركةجي إي جي آي ماناجمنت التي أُسست عام 2009 في واشنطن بإشراف مور- كانت مسؤولة عن إدارة حساب مصرفي لتلقي أموال العائلة وتحويلها لتغطية نفقات الممتلكات والرحلات والفواتير الشخصية. وتُظهر مذكرات داخلية أن الأموال كانت تُحوّل بانتظام من إقليم كردستان عبر حسابات “جي إي جي كردستان”، ثم تُستخدم لدفع تكاليف الصيانة والضرائب والمشتريات الخاصة بالعائلة.
تمثل شركة “غولدن ايغل غلوبال” الرابط المركزي في هذه الشبكة، وبرغم غياب أي إعلان رسمي يربطها بعائلة البارزاني، إلا أن الوثائق المسرّبة تبيّن أن مصطفى البارزاني كان يديرها فعليا عبر وكلاء. في كردستان عملت الشركة كوسيط في صفقات النفط والاتصالات والأمن، ووقعت عقودا مع الجيش الأمريكي وشركات أجنبية مقابل عمولات ضخمة. كما استخدمت الشركة واجهات أمريكية، إذ تأسستغولدن ايغل غلوبال في ديلاوير عام 2006، وتُظهر وثائقها أن أسهمها نُقلت عام 2021 إلى مصطفى البارزاني وشريكة تدعى فاليري كبّ، مقابل دولار رمزي، لتُصنّف لاحقا كشركة صغيرة “عائدة لامرأة” تمنحها امتيازات في العقود الحكومية.
من خلال هذه الكيانات، تموّلت مشتريات العقارات الفاخرة لعائلة البارزاني، ودُفعت فواتير طبية، ونفقات بطاقات “أمريكان إكسبريس بلاك”، وحتى أجور مربيات ومصاريف تعليم لأبناء العائلة.
تربط ايضا الوثائق المسرّبة عائلة البارزاني بمجموعة ستار غروب، وهي تكتل تجاري كبير أسسه رجل الأعمال سروَر بيداوي عام 2002. بحسب الوثائق، حوّلتهذه الشركةأكثر من 18 مليون دولار إلى كيانات تابعة لعائلة بارزاني لشراء عقارات وسداد فواتير، منها 7.2 ملايين موثّقة بتحويلات مصرفية. وتصف مذكرة داخلية من عام 2008شركة ستاربأنها “الشركة الخارجية الخاصة بمسرور البارزاني”، مؤكدة أنها دفعت ثمن شقة في فرجينيا نيابة عنه. ورغم نفي بيداوي لاية علاقة حالية، إلا أن وثائق مور تشير بوضوح إلى أنستار وغولدن ايغل كانتا تحت “سيطرة مشتركة” للعائلة في فترات معينة.
كل هذا يأتي في سياق عائلة تحتكر السلطة في إقليم كردستان منذ عقود. فمسعود البارزاني، الأب، هو ابن الزعيم القومي الكردي التاريخي مصطفى البارزاني، وقد قاد الحزب الديمقراطي الكردستاني خلال مراحل الصراع مع بغداد. وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، رسخت العائلة سلطتها عبر مؤسسات الحكم والإدارة والاقتصاد. واليوم، يشغل أفراد العائلة مناصب عليا:
– مسرور البارزاني (مواليد 1969): رئيس وزراء الإقليم منذ 2019، والرئيس السابق لجهاز الاستخبارات.
– منصور البارزاني: قائد القوات الخاصة الكردية (العمليات الخاصة).
– ويسي البارزاني: مستشار في مجلس أمن الإقليم.
– مصطفى البارزاني: إداري في الحزب الديمقراطي الكردستاني.
– موكسي البارزاني: رجل أعمال يدير الاستثمارات الخارجية للعائلة.
ورغم تنحي مسعود البارزاني عن رئاسة الإقليم عام 2017، إلا ان النفوذ بقي بيد العائلة من خلال المناصب المتوارثة والتحكم في الحزب الديمقراطي الحاكم.
يقول المفتش العام الأمريكي السابق لإعادة إعمار العراق، ستيوارت بوين، إن ثروة عائلة بارزاني تثير تساؤلات حول مصدرها في ظل الفجوة الكبيرة بينها وبين مستوى المعيشة في الإقليم. وأضاف بان “تحويل ملايين الدولارات إلى الولايات المتحدة من منطقة فقيرة بالرواتب والخدمات، يجب أن يُقلق أية جهة رقابية”. ورغم نفي محامو مسرور بارزاني لأية شبهة فساد، إلا أنهم امتنعوا عن توضيح كيفية تمويل هذه الممتلكات أو طبيعة العلاقة بين الشركات المذكورة. واكتفوا بالقول إن “امتلاك الأثرياء لعقارات في دول أجنبية أمر قانوني وشائع”.
وبينما تواصل العائلة تبرير هذه العمليات بأنها “أنشطة تجارية طبيعية”، تكشف الوثائق عن تداخل خطير بين المال والسلطة، وعن نموذج من “الملكية العائلية للدولة”، حيث تذوب الحدود بين موارد الإقليم وممتلكات العائلة الحاكمة.
تأسست شركةجي إي جي آي ماناجمنت في واشنطن عام 2009 على يد لورا جيو، وبإشراف مكتب المحامي “مور”، بتمويل من شركةغولدن ايغل غلوبال. وتشير وثائق داخلية إلى أن الهدف الوحيد من إنشائها كان إدارة حساب مصرفي لتلقي أموال عائلة البارزاني لتغطية نفقات ممتلكاتهم العقارية في أمريكا. واظهرت وصية موقعة عام 2021 بان مصطفى البارزاني يمتلك 100 بالمئة من الشركة. وتوضح مذكرة اعدها المحامي مور عام 2020 بان الأموال كانت تُحوّل بانتظام من كردستان إلى حساب الشركة، وأنها استخدمت كوسيلة لتسديد نفقات العائلة.
ومن خلال هذا النظام المالي، موّلت العائلة شراء ثلاثة عقارات تفوق قيمتها عشرة ملايين دولار، بينها عقار “كازا ديفينا”، الذي صنّفت أمواله كـ“هبة أجنبية”. أُجريت التحويلات عبر حساب يديره مكتب مور، واعتُبر جزءا من أموالجي إي جي آي. كما كشفت التسريبات أن الشركة دفعت نفقات شخصية ضخمة: فواتير مستشفيات، ومجوهرات، وحقائب فاخرة، وحتى ديون بطاقات “أمريكان إكسبريس بلاك” الخاصة بمسرور البارزاني وإخوته عام 2012. وفي 2023، دفعت 41 ألف دولار لوكالة توظيف مربيات لصالح ويسي البارزاني.
في كردستان قدمت الشركة نفسها في عدة عقود، كوسيط بين شركات اجنبية وحكومة الإقليم، بحيث تموّل الشركات المشاريع وتتكفلغولدن ايغل بالعلاقات والموافقات الرسمية مقابل رسوم أو حصة من الأرباح. وفي تشرين الأول من العام نفسه، ناقشت الشركة عقدا معايموكوالمسجلة في بليز لتصدير النفط الخام مقابل رسوم على كل طن نفطي، لكن لم يُعرف إن كانت الصفقة نُفذت أو من يملك الشركة. في العام 2014، اقترحتغولدن ايغل شراكة مع مجموعةتي اس جي غلوبال هولدينغسفي مشاريع النفط والبنية التحتية، أُزيل منها لاحقًا اسم مصطفى البارزاني واستُبدل بلقب “الرئيس التنفيذي”. توسطت الشركة أيضا في بيع مئات الخوذ العسكرية لمديرية مكافحة الإرهاب في كردستان، وسعت لاحقا لبيع طائرات مسيّرة وإنشاء مصنع للزي العسكري. غير أن مصير هذه المشاريع بقي مجهولا. ولم ترد الشركة أو محامو العائلة على استفسارات الصحفيين بشأنها.
تربط الوثائق المسربة عائلة البارزاني بمجموعة ستار غروب التي أسسها رجل الأعمال سروَر بيداوي عام 2002. وحققت نجاحا كبيرا بعد 2003 في قطاعات المشروبات والاتصالات والإنشاءات والنفط. ورغم نفي بيداوي واسرته أي علاقة إدارية بالعائلة بعد 2018، إلا أن وثائق مور المسرّبة تشير إلى أنستار حوّلت أكثر من 18 مليون دولار لتغطية نفقات وشراء عقارات لعائلة البارزاني.
في رسالة مؤرخة بكانون الأول 2008، وصفت نائبة رئيس شركة جي إي جي لورا جيو، شركةستار بأنها “الشركة الخارجية الخاصة بمسرور البارزاني”. وأوضحت أنها ستدفع ثمن شقة في فرجينيا نيابة عنه. كما تضمنت مسودة رسالة من مكتب مور نصًا يفيد بأنستاروالشركة الأمريكية التابعة لمسرور “تحت السيطرة المشتركة”.
وتكشف الوثائق المسرّبة أن شركةجي إي جي آي ماناجمنت، التابعة لعائلة البارزاني، تلقت دفعة مالية من شركة إيمبالس إنرجي، وهي شركة نفطية مثيرة للجدل ارتبطت بصفقة تنقيب في مناطق متنازع عليها بين إقليم كردستان والحكومة العراقية. وقد تأسست “إيمبالس” في جزر العذراء البريطانية عام 2007 على يد الأخوين سرور ولاوين بيداوي، المؤسسين أيضًا لستار غروبالتي حوّلت لاحقا ملايين الدولارات لتمويل نفقات البارزانيين في الولايات المتحدة. بعد يوم واحد فقط من تسجيلها، حصلت “إيمبالس” على حقوق التنقيب في حقل عين سفني بالشراكة مع شركةهنت اويل الأمريكية المقربة من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، وهو ما اعتبرته حكومة الإقليم حينها دليلا على بيئة استثمار “شفافة”.
ترتبط مجموعةستار غروب أيضا بصفقات عقارية فاخرة تخص العائلة؛ ففي 2010 اشترى الشقيقان بيداوي قصرا في ماكلين بفرجينيا بقيمة 10.2 ملايين دولار. وتُظهر الوثائق أن تكاليف تجديده لاحقا سُجلت باسم مسرور بارزاني، بينما تم تحويل العقار عام 2024 إلى شركة غامضة تُدعىكوف هولومن دون مقابل مالي، ما يوحي بعملية تحويل لاصول داخلية. كما تكشف رسائل مكتب المحامي مور عن تحويلات مالية متكررة منستارلدعم صفقات عقارية تخص العائلة، منها: مليون دولار لأرض في 2014، و232 ألفا لشراء عقارين تجاريين، و3.1 ملايين دولار لعقار في ديترويت عام 2017.
ورغم أن محامي البيداويين والبارزانيين نفوا أية مخالفات، مؤكدين أن التحويلات كانت “قانونية وضمن ممارسات الأعمال الطبيعية”، فإن الوثائق تبيّن أنستاروايمبالس كانتا تؤديان عمليا دور القنوات المالية الخاصة لعائلة بارزاني، لتمويل العقارات والمصروفات الشخصية في الولايات المتحدة تحت غطاء “أنشطة تجارية مشروعة”.
يذكر أن شركات الأوفشور (مثل تلك التي في جزر العذراء/س.س.) هي الشركات المسجلة في ملاذ ضريبي آمن خارج بلد الإقامة الفعلي أو لإخفاء الملكية الحقيقية للشركة من أجل التهرب الضريبي.
من خلال هذا العرض المفصل لاستثمارات البرزانيين في الولايات المتحدة ننتظر من الحكومة وهيئة النزاهة الاتحادية القيام بصولة للتحري عن تضخم اموال مسؤولي الاقليم المذكورين في هذا التحقيق. وان يحدد معه تاريخ الانتهاء منه مع التعهد بكشف نتائج التحريات على الشعب العراقي كاملة.
