
السيد عامر عبد الرزاق والقوش: بين الاهتمام بالآثار ومسؤولية البحث العلمي
د. عامر ملوكا
عرفنا السيد عامر عبد الرزاق من خلال اهتمامه بالآثار العراقية ومحاولاته في تعريف الجمهور بتاريخ العراق ومواقعه الحضارية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ونحن نقدر هذا الاهتمام ونحترم كل جهد يسهم في ابراز عظمة العراق وتراثه وحضارته، خصوصا عندما يقدم المحتوى بصورة هادفة ويصل الى جمهور واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، فان ملاحظاتنا لا تأتي من موقف شخصي تجاه السيد عامر عبد الرزاق، ولا تهدف الى التقليل من جهوده، وانما تنطلق من الحرص على دقة المعلومات واحترام تاريخ المدن العراقية وهوياتها وتراثها.
القوش ليست مجرد موقع أثري او محطة سياحية، وانما مدينة تاريخية حية، لها اهلها وذاكرتها وكنائسها واديرتها وتراثها الديني والثقافي والاجتماعي. وهي مدينة كلدانية عريقة تمثل جزءا اصيلا من تاريخ وتراث المسيحيين في العراق وسهل نينوى. ولهذا فان الحديث عن القوش وهويتها لا يمكن ان يعالج من خلال معلومات مختصرة او انطباعات عامة، بل يحتاج الى الرجوع الى المصادر التاريخية والوثائق، والاستماع الى ابناء المدينة والمؤسسات الدينية والثقافية فيها، والى الباحثين والأكاديميين المختصين.
وبحسب المعلومات المتاحة لنا، فان السيد عامر عبد الرزاق يحمل شهادة البكالوريوس في الاثار من كلية الآداب في جامعة بغداد، ونحن لا ننتقص من قيمة هذه الشهادة، فهي شهادة جامعية محترمة وتمثل مرحلة مهمة في دراسة الاثار. لكن من الضروري التفريق بين الشهادة الجامعية وبين صفة الباحث الأكاديمي المتخصص، لان البحث العلمي يعتمد على التخصص الدقيق والدراسات المتقدمة والمنهج العلمي والرجوع الى المصادر والوثائق والدراسات المتخصصة. ولذلك فان الحديث عن موقع أثرى يختلف عن الحديث عن هوية مدينة او شعب او تراث ديني وقومي وهو لايزال يسكن في القوش وخارج القوش، وهي موضوعات تحتاج الى قدر اكبر من التوثيق والتحقيق والمقارنة بين المصادر.
ومن هنا جاءت ملاحظاتنا حول ما طرحه السيد عامر عبد الرزاق خلال زيارته الى القوش. فقد كنا نتمنى ان تكون الزيارة فرصة للتعريف بهذه المدينة الكلدانية العريقة، والحديث عن تاريخها وكنائسها واديرتها وشخصياتها وتراثها الثقافي والديني، بدلا من الدخول في قضايا يمكن ان تثير الخلاف حول هوية المدينة. فنحن نرى ان القوش لها هوية واضحة في وجدان ابنائها وتراثهم، وان من واجب من يتحدث عن تاريخها ان يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار، وان يقدم المعلومات بصورة موثقة ومتوازنة.
ونحن لا نريد تحويل الموضوع الى خلاف شخصي او الى سجال بين مكونات المجتمع العراقي، كما لا نرغب في الدخول في امور قد تخلق حساسيات او تزيد من الانقسام. فالعراق بلد متنوع، وتاريخه غني ومعقد، وتداخلت فيه الحضارات واللغات والاديان والمكونات عبر قرون طويلة. ولذلك فان تناول هوية المدن وتاريخها يحتاج الى الهدوء والموضوعية واحترام جميع الآراء، مع الاعتماد على الوثائق والمصادر وليس على الاستنتاجات السريعة.
ومن المهم هنا التأكيد على ان المرجع الاساسي فيما يتعلق بتاريخ الكنائس والاديرة والتراث الكنسي هو الكنيسة ومصادرها ووثائقها، الى جانب الدراسات التاريخية والاكاديمية الموثوقة. وعندما يتعلق الامر بتاريخ القوش وتراثها الكنسي، فمن الطبيعي الرجوع الى ابرشية القوش الكلدانية ورجال الدين والمؤسسات الكنسية وخاصة البطريركية الكلدانية في بغداد، والاستماع ايضا الى المؤرخين والباحثين والأكاديميين وابناء المدينة الذين حافظوا على هذا التراث ونقلوه عبر الاجيال. وهذا لا يعني رفض الآراء المختلفة، بل يعني اعتماد منهج علمي يتيح معرفة المصادر ومناقشة المعلومات بصورة مسؤولة.
كما اننا لا نطلب من السيد عامر عبد الرزاق ان يتبنى رأيا لمجرد انه يختلف مع رأي اخر، وانما نطلب منه الالتزام بالموضوعية وتقديم المصادر التي يعتمد عليها، والتفريق بين المعلومة التاريخية الموثقة وبين الرأي او التفسير المختلف عليه. فامتلاك جمهور واسع مسؤولية كبيرة، لان المعلومة عندما تصل الى اعداد كبيرة من الناس يمكن ان تترسخ باعتبارها حقيقة، حتى لو كانت بحاجة الى مزيد من البحث والتوثيق.
ان احترام الهوية الكلدانية للقوش لا يعني الانتقاص من اي مكون اخر، كما ان الدفاع عن تاريخ المدينة لا ينبغي ان يتحول الى خصومة او صراع. بل ان الاعتراف بتنوع العراق واحترام خصوصية كل مدينة ومكون هو جزء من احترام تاريخ العراق نفسه. والقوش تستحق ان يعرفها الجمهور بتاريخها وتراثها الحقيقي، وبكنائسها واديرتها وشخصياتها وما قدمته من اسهامات دينية وثقافية وعلمية.
وفي النهاية، نحن نحترم جهود السيد عامر عبد الرزاق في التعريف باثار العراق، ونأمل ان تستمر هذه الجهود بصورة تخدم تاريخ العراق وتراثه. ونتمنى في الموضوعات التي تتعلق بالقوش وهويتها ان يكون الاعتماد اكبر على المصادر الكنسية والتاريخية، وعلى الأكاديميين والباحثين المختصين، وان يتم الاستماع الى ابناء المدينة ومؤسساتها الدينية والثقافية.
فالقوش مدينة كلدانية عريقة، وتراثها جزء من تراث العراق، والحفاظ على هذا التراث مسؤولية مشتركة. ومن يتحدث عن تاريخ العراق يتحمل مسؤولية نقل المعلومات بدقة واحترام، والابتعاد عن كل ما يمكن ان يخلق خلافات غير ضرورية. فالتاريخ امانة، والوثيقة اساس البحث، واحترام هوية المدن واهلها هو الطريق الافضل لتقديم تاريخ العراق بصورة تليق بعراق الحضارات وتنوعه العريق.
