للذهاب الى صفحة الكاتب   

الشفافية المشاعة على الألسن

صالح مهدي محمد

 

 

في زمن تتكاثر فيه الكلمات أسرع من الحلول، أصبحت الشفافية كلمة شديدة الحضور، سهلة التداول، حتى كادت تتحول إلى عملة لغوية صالحة لكل استخدام. تُقال أو تُكتب هنا، وتُذكر هناك، ثم تنتهي مهمتها عند حدود الجملة. وكأننا اكتشفنا طريقة جديدة لممارسة الوضوح: نتحدث عنه كثيرًا، ونتركه يتدبر أمره بعيدًا عن الواقع.

 

في المبدأ، تبدو الفكرة نبيلة: أن تُقال الحقيقة كما هي، دون رتوش أو أقنعة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الوضوح من ممارسة إلى عبارة جاهزة. نسمع حديثًا كثيرًا عن وضوح التعليمات، مثلًا، بينما التعليمات نفسها تحتاج إلى شرح، والشرح يحتاج إلى شارح آخر، والشارح الآخر يحتاج إلى تعليمات تشرح له التعليمات الأولى.

 

خذ موقفًا بسيطًا في مؤسسة ما. يُقال لك إن كل شيء واضح، ثم تبدأ رحلتك في طلب ورقة واحدة. تُحال من مكان إلى آخر، ومن موظف إلى آخر، ويستقبلك كل منهم بابتسامة ويؤكد لك أن الأمور واضحة جدًا، وأن ما عليك سوى القيام بكذا. وبعد جولة طويلة، تكتشف أن الشيء الوحيد الواضح فعلًا هو أنك لا تعرف أين تنتهي هذه الرحلة.

 

ثم يتطور الأمر من الورقة إلى التفسير. تسأل عن سبب إجراء معين، فيأتيك الجواب بثقة كاملة: نحن واضحون في هذا الأمر. تنتظر التفسير، فيأتيك شرح طويل مليء بالكلمات التي تشرح الكلمات، حتى يصبح السؤال الأصلي في آخر الصف، يلوّح بيده طالبًا فرصة للكلام. هنا لا يعود المطلوب أن تفهم؛ يكفي أن تشعر بأن هناك تفسيرًا قيل أمامك.

 

وفي النقاشات العامة تصبح الحكاية أكثر أناقة. تُرفع الشعارات، وتُلقى العبارات، وتُستخدم مفردات كبيرة توحي بأن كل شيء مكشوف أمام الجميع. وحين يحاول أحدهم الاقتراب من التفاصيل، يُطلب منه الصبر، ثم يُحال إلى السياق، ثم إلى الظروف، ثم إلى الصورة الأشمل. وبعد أن يدور حول الموضوع دورة كاملة، يجد نفسه أمام الشيء نفسه الذي بدأ منه، لكن بعبارات أكثر وأجوبة أقل.

 

أما في التصريحات، فالمشهد يصل إلى مستوى آخر. قد يُقال إن المعلومات متاحة، ثم يتبين أن المتاح منها هو ما يمكن إعلانه فقط. وما لا يمكن إعلانه يبقى مفهومًا ضمنًا، وما هو مفهوم ضمنًا لا يحتاج إلى شرح، وما لا يحتاج إلى شرح لا داعي للسؤال عنه. وهكذا تتحول المعلومة إلى لعبة شاقة: نعرف أن هناك شيئًا لا نعرفه، ويُطلب منا أن نعتبر معرفتنا بجهلنا نوعًا من المعرفة.

 

وفي العلاقات اليومية لا يختلف الأمر كثيرًا. شخص يقول لك: «أنا صريح جدًا»، فتستعد لسماع الحقيقة كاملة، فإذا بك تحصل على مقدمة طويلة، ومبررات أطول، وتفاصيل جانبية كثيرة، بينما النقطة الأساسية تختبئ في مكان آمن لا تصل إليه الصراحة. وآخر يقول: «أنا لا أحب إلا الوضوح»، ثم يشرح لك موقفه بطريقة تجعلك تفكر في الاستعانة بمترجم، وربما بخبير في فك الشفرات.

 

ثم نصل إلى المرحلة الأكثر طرافة: حين يصبح الإعلان عن الوضوح أهم من الوضوح نفسه. يكفي أن تتكرر الكلمة في خطاب أو بيان أو حديث حتى تأخذ مكان الفعل. يصبح القول بأن الأمور مكشوفة دليلًا على أنها مكشوفة، ويصبح التأكيد على الصراحة بديلًا عن تقديم الإجابة، وكأن الحقيقة تحتاج إلى شهادة حضور قبل أن تظهر.

 

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت العبارات التي تتحدث عن كشف الأمور، ازدادت الحاجة إلى السؤال عما كُشف فعلًا. فالمشكلة لم تعد في غياب الكلام، بل في فائض الكلام الذي يستطيع أن يملأ المكان كله، بحيث يصعب العثور على الحقيقة بين كل هذا الازدحام اللغوي.

 

لقد أصبح لدينا نوع من الوضوح يشبه الواجهة الزجاجية: يبدو كل شيء خلفها ظاهرًا، لكنك حين تحاول فتح الباب تكتشف أنه مغلق. ترى الداخل، وتعرف أن هناك شيئًا ما وراء الزجاج، لكن الدخول يحتاج إلى إجراء آخر، والإجراء الآخر يحتاج إلى تفسير، والتفسير يحتاج إلى مختص، والمختص يؤكد لك في النهاية أن كل شيء واضح.

 

وهكذا نكتشف أن أكثر ما يهدد الوضوح ليس الغموض، بل كثرة الحديث عنه. فالغموض الصريح، على الأقل، يعترف بوجوده. أما حين يرتدي الغموض بدلة انيقة، ويجلس أمامك مبتسمًا، ويخبرك بثقة أن كل شيء واضح، فهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

 

ولعل أجمل ما في هذه اللعبة أن الجميع أصبح شفافًا إلى درجة لا يرى أحد منهم الآخر. الجميع يتحدث عن الحقيقة، والجميع يؤكد وضوحه، والجميع يطالب بالكشف، حتى أصبح السؤال نفسه بحاجة إلى تصريح.

 

ربما علينا أن نعيد تعريف المسألة ببساطة: ليس المهم أن تقول إن كل شيء واضح، بل أن نجد شيئًا واضحًا عندما نمد أيدينا لنمسكه. أما أن نُغرق من حولنا بالكلمات عن الوضوح، ثم نتركهم يتخبطون في الإجراءات والتفسيرات والتأويلات، فهذه ليست شفافية بقدر ما هي طريقة راقية لإخفاء الشيء تحت حزمة من الضوء الكثيف.