للذهاب الى صفحة الكاتب   

قراءة في كتاب (فاشية التخلف... البعث العربي نموذجاً)

تأليف د. عبد الحسين الهنداوي

اعداد وتقديم: كمال يلدو

تشرين أول / أكتوبر ٢٠٢٦

 

كتاب «فاشية التخلف: البعث العربي نموذجاً» ليس كتاباً عن حكم صدام حسين وحده، ولا عن انقلاب الثامن من شباط 1963 وحده، كما قد يوحي موضوعه العراقي. إنه محاولة لتتبع مسار فكري وسياسي يبدأ قبل نشوء حزب البعث بسنوات طويلة، ويتقدم عبر القومية العربية والحركات الفاشية الأوروبية والحرب الباردة والانقلابات العسكرية، قبل أن يصل إلى تجربة الحكم البعثي في العراق وسوريا.

 

يتكون الكتاب من سبعة فصول، إضافة إلى مقدمة وخاتمة وملاحق. ويكشف ترتيب الفصول عن منهج المؤلف: فهو يبدأ من انبثاق الوعي القومي العربي، ثم يبحث في منابع ما يسميه التيار الفاشي العروبي، وبعد ذلك ينتقل إلى ولادة البعث كتنظيم، قبل أن يناقش الحرب الباردة والانقلابات، ثم تجربتي الحكم في العراق وسوريا، وينتهي بآثار الدولة البعثية في الاقتصاد والمجتمع والثقافة. 

 

الأطروحة الأساسية للكتاب واضحة منذ مقدمته. فالمؤلف يرى أن الفاشية ليست ظاهرة أوروبية محضة ماتت بسقوط هتلر وموسوليني، وإنما يمكن أن تظهر بأسماء وأشكال مختلفة حين تتوافر شروط سياسية واجتماعية تسمح بقيام دولة شمولية تستند إلى العنف، واحتكار الحقيقة، وتأليه الزعيم وإلغاء المؤسسات. وهو يصف الفاشية باعتبارها شكلاً بالغ التوحش من الهيمنة الشمولية للدولة البوليسية.

 

لكن الهنداوي لا يبدأ بالبعث مباشرة. ففي الفصل الأول يعود إلى أواخر الدولة العثمانية، عندما ظهر الوعي القومي العربي في سياق مقاومة التتريك والرغبة في التحرر والاستقلال. وهو يميز، بصورة مهمة، بين الدوافع التحررية المشروعة التي رافقت نشوء القومية العربية وبين الاتجاهات التي ستنشأ لاحقاً داخل بعض تياراتها. ويرى أن الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية والانتدابات البريطانية والفرنسية ساهمت جميعاً في تشكيل ذلك الوعي الجديد.

 

وفي الفصل الثاني ينتقل الكتاب إلى أوروبا نفسها، باحثاً في تطور مفهوم الأمة والقومية من الثورة الفرنسية إلى الفكر القومي الألماني. وهنا يناقش أسماء مثل فيخته ورينان، ثم ينتقل إلى ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وميشيل عفلق. ويحاول المؤلف تتبع الصلات الفكرية بين بعض هؤلاء وبين تيارات قومية أوروبية، ويخصص اهتماماً خاصاً بعفلق، الذي يرى أنه استلهم جانباً من الفكر القومي الإيطالي والأوروبي. ومن عناوين الفصل نفسها يتضح اتجاه المؤلف: «الحصري واستلهام فيخته ورينان»، «الأرسوزي من نكبة الإسكندرونة إلى صدمة بغداد»، و«عفلق واستنساخ مازيني».

 

ثم يأتي الفصل الثالث، «البعث من فكرة إلى تنظيم»، وفيه تصبح العلاقة مع العراق أكثر وضوحاً. يتوقف المؤلف عند الجماعات القومية العربية التي ظهرت في الثلاثينيات والأربعينيات، وعند نادي المثنى العراقي وحركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941. ويشير إلى أن ميشيل عفلق والبيطار لم ينطلقا، بحسب قراءته، بوصفهما فاشيين، بل إنهما تعاطفا في شبابهما مع الشيوعيين الفرنسيين بسبب موقفهم من الاستعمار الفرنسي لسوريا، قبل أن يتحولا تدريجياً باتجاه الفكر القومي المتشدد. كما يذكّر بأن عفلق أسس أثناء حركة 1941 ما عُرف بـ«نصرة العراق».

ومن هنا يصل المؤلف إلى إحدى أفكاره الأساسية: معاداة الشيوعية بوصفها عاملاً مهماً في تشكيل البعث وفي علاقته بالقوى الدولية لاحقاً.

 

الفصل الرابع يحمل عنواناً لافتاً هو «هتلريون في قطار أمريكي». وفيه يغادر الكتاب العراق مؤقتاً ليضعه ضمن خريطة الحرب الباردة. يتناول إسقاط محمد مصدق في إيران، وأربينز في غواتيمالا، ولومومبا في الكونغو، وعبد الكريم قاسم في العراق، وسلفادور أليندي في تشيلي. وسوكارنو في إندونيسيا، يريد المؤلف من هذه المقارنة القول إن الولايات المتحدة وحلفاءها، في سياق مواجهة الشيوعية والنفوذ السوفيتي، تعاونوا أحياناً مع قوى شديدة اليمينية أو سلطوية، وإن الانقلابات العسكرية أصبحت إحدى أدوات الحرب الباردة. ويضع انقلاب 8 شباط 1963 في العراق داخل هذا السياق. وهنا بالذات ينبغي للمقدم أن يكون دقيقاً: فالكتاب يقدم تفسيراً حاسماً لدور الاستخبارات الأمريكية والبريطانية في إسقاط عبد الكريم قاسم، وهي قضية تاريخية ما زالت تفاصيلها ودرجة التدخل المباشر فيها موضع نقاش بين الباحثين. لذلك الأنسب أن ننسب هذا الاستنتاج صراحة إلى المؤلف.

 

الفصل الخامس هو قلب الكتاب، ويحمل عنوان «البعث والتنمذج كفاشية عالمثالثية». هنا ينتقل الهنداوي من الأفكار إلى تجربة السلطة. ويعتبر انقلاب 8 شباط 1963 في العراق أول نموذج لحكم بعثي ذي طبيعة فاشية عربية، مستشهداً ببيان رقم 13، والحرس القومي، وعمليات الاعتقال والتعذيب والقتل. ثم ينتقل إلى النظام البعثي في سوريا بين 1963 و2024، وإلى النظام العراقي بين 1968 و2003.

 

ويقول المؤلف إن أهم سمات النموذجين تتمثل في الدولة البوليسية، والحزب القائد، والأجهزة الأمنية، وعبادة القائد، وتدمير المعارضة، وتحويل الدولة تدريجياً إلى ملكية سياسية لشخص أو عائلة أو دائرة ضيقة. وهو يرى أن التجربة البعثية نجحت في إقامة دولة شمولية على الرغم من أن أيديولوجيتها، في رأيه، لم ترتق إلى مستوى نظرية سياسية متماسكة.

 أما الفصل السادس، «خرافة المشروع البعثي للتطور»، فيتناول الجانب الاقتصادي والاجتماعي. فالبعث قدم نفسه باعتباره مشروعاً قومياً اشتراكياً تحديثياً، لكن الهنداوي يرى أن النتيجة كانت مختلفة: نشوء طبقة بيروقراطية عسكرية وأمنية انتفعت من الدولة، وانتشار المحسوبية والفساد، وإضعاف الطبقات المدنية المنتجة. ويستخدم تعبير «إنكشارية جديدة» لوصف النخب التي نشأت حول السلطة. ويذهب أبعد من ذلك، فيرى أن الاقتصاد البعثي، رغم خطابه الاشتراكي والمعادي للغرب، لم يحرر العراق وسوريا من التبعية الاقتصادية، بل انتهى، بحسب تحليله، إلى ما يسميه «دولة محيط تابعة» مرتبطة بالمراكز الرأسمالية العالمية.

 أما الفصل السابع، وعنوانه «تدمير مقومات وطن»، فهو ربما الأكثر اتصالاً بتجربة العراقيين اليومية. يناقش فيه المؤلف ظاهرة «التبعيث»، أي تحويل الانتماء إلى الحزب إلى وسيلة للتوظيف والترقية والحضور الاجتماعي، مقابل العقاب أو التهميش أو الهجرة لمن يرفض ذلك. ويرى أن الحزب حاول ضم فئات المجتمع المختلفة إلى منظماته وواجهاته مستخدماً أجهزة الدولة، إلى جانب الترغيب والضغط والقمع. ثم يناقش سياسات التعريب والتهجير، والحروب، والعلاقة المتناقضة بين البعث والديمقراطية، وينتهي إلى ما يسميه «مجزرة الثقافة»، أي إخضاع الثقافة والمثقفين لمنطق السلطة والحزب والقائد. وتشمل قائمة الموضوعات التي يناقشها الكتاب في التجربة العراقية قوانين الإعدام، وقطع الأذن واليد ووشم الجبهة، والأنفال والأسلحة الكيميائية والمقابر الجماعية، والحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت وقصر النهاية.

 

وفي الخاتمة يعود المؤلف إلى المقارنة التي بدأ بها الكتاب: بين «الفوهرر» و«الدوتشي» و«القائد الضرورة». فالقاسم المشترك، في رأيه، ليس شكل الزي العسكري أو الشعارات فقط، وإنما تركيز السلطة في شخص واحد يقدم نفسه بوصفه تجسيداً للأمة، فوق الدستور والمؤسسات والقانون. ويرى أن هذا النموذج ظهر في إيطاليا وألمانيا ثم اتخذ، في بيئات مختلفة، صوراً محلية في العراق وسوريا.

وهنا تكمن قيمة الكتاب، سواء اتفقنا مع كل استنتاجاته أم اختلفنا معها. فهو لا يطلب منا فقط أن نسأل: ماذا فعل البعث؟ بل يدفعنا إلى سؤال أعمق: ما الأفكار والظروف والمؤسسات التي سمحت لهذا النوع من السلطة بأن يولد ويستمر؟

وربما السؤال الأهم بعد قراءة الكتاب هو: هل انتهت الفاشية بسقوط الأنظمة التي حملت أسماءها، أم أن ثقافتها — في تقديس القوة، وإلغاء الآخر، وعبادة الزعيم، واحتقار الديمقراطية — يمكن أن تعود بأسماء وشعارات جديدة؟

ذلك هو، في تقديري، السؤال الذي يستحق أن يبقى مع المشاهد بعد إغلاق الكتاب.

 

اعداد وتقديم : كمال يلدو

تشرين أول / أكتوبر ٢٠٢٦