للذهاب الى صفحة الكاتب   

لِمَ بَعْدُكَ سهرانٌ؟!

الدكتور سمير محمد ايوب

 

 

جُلُّ وقتي موزّعٌ بين القراءة والكتابة، ولي فيهما طقوسٌ لا أحب أن يخترقها أحد، ولا سيما ساعات الكتابة؛ ففيها أستعيد نفسي من العالم، وأجلس إلى هواجسي كأنني ألتقي أصدقاء قدامى، لا يملّون الحديث، ولا يكفّون عن طرح الأسئلة. غير أنّني، بعد منتصف ليل الأمس، كنت أبدو لنفسي حزينًا، على نحوٍ لم أجد له تفسيرًا واضحًا.

لذلك، ما إن سمعت رنين الهاتف الأرضي يتلاحق بإلحاح، حتى سارعت إلى التقاط السماعة، كأنّ شيئًا في داخلي كان ينتظر ذلك الصوت. جاءني صوتٌ أعرفه، يختلط فيه القلق بالعتاب، يسألني:

ــ لِمَ سهران حتى التو، يا صديقي المشاغب؟ لِمَ لَمْ تأوِ إلى فراشك بعد؟! أظنّك قد بالغت في احتساء القهوة.

عرفتها دون أن تعلن عن نفسها، فقلت:

ــ الأوغاد، يا سيدتي، ينامون باكرًا؛ يشربون قهوتهم مثلنا ثم يذهبون إلى أسرّتهم، كأنّ الحياة لم تترك في صدورهم ما يستحق السهر. أمّا أنا، كما تعلمين، فلست ممّن يعلّقون أرَقهم على شمّاعة القهوة. ما يؤرّقني ليس كامنًا في البنّ، بل في كافيين القلب، وفي بساتينه التي لا تزال تسكنها ستّ الكل.

 

خيّل إليّ أنها اقتربت أكثر، ثم سألت:

ــ إذن، ما بك؟!

وتابعت، بلغة المحقّقين الذين لا يتركون للمتّهم منفذًا للهرب:

ــ إما أنّ قهوتك عمياء، وإما أنّ دواخلك مكتظّة بأشياء لم تعد القهوة وحدها قادرةً على احتمالها.

قلت:

ــ تبقى القهوة، يا سيدتي، واحدةً من أساسيات الحياة. إنها قادرة على أن تنقل يومك من الكآبة إلى شيء من البهجة، حتى لو كنت وحدك. القهوة ليست مجرّد شرابٍ نحتسيه لنطرد النعاس، بل هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح، والساحرة التي تكشف لنا ما خبّأه النهار من أسرار.

وأنتِ تعلمين أنّني أعدّ أيام حياتي بملاعق القهوة، لا بعدد السنين التي عبرتها. قهوتي حنونة، صديقة انتظاراتي، تمنحني من روحها ما يكفي لأستعيد شيئًا من روحي. وأكاد أزعم أنّها لو سُقيت بها صخرة لأورقت؛ لا لأنّ في البنّ معجزة، بل لأنّ بعض الأشياء الصغيرة تستطيع أن تُبقي فينا ما عجزت الأشياء الكبيرة عن حمايته. كوبٌ واحد منها كفيل بأن يمحو من رأسي ضجيج العالم، وأن يمنحني هدنةً قصيرة من كلّ ما لا أستطيع تغييره.

 

قالت:

ــ يا للعجب! أنا على النقيض منك. اعتدت أن أتناول كوبًا من القهوة العربية المرّة، أتركها تسري في عروقي، ثم أدير ظهري للعالم وأستمتع بعزلتي. من دونها، أحبو نحو ذكرياتي السعيدة، وأهرول نحو تلك الموجعة؛ أمّا معها، فأنتقي من ذاكرتي ما أحب، وأترك للذكريات التي أشتاق إليها أن تقطع المسافة نحوي.

توقّفَت قليلًا، ثم قالت:

ــ لعلّ القهوة لا تغيّر ما في حياتنا، لكنها تغيّر الطريقة التي نتلقّاه بها.

 

لم أشأ أن أمنحها انتصارًا مجانيًّا، فهذه واحدة من مشاغباتنا القديمة، غير أنّها لم تتركني أسترسل في الحديث. أخَذَتْ نفسًا عميقًا، كأنّها تستعدّ لمعركة مؤجّلة، ثم ألقت سؤالها بغتةً:

ــ الثمانون رقمٌ مرعب، أليس كذلك؟ ألا تفكّر فيما قد يأتي بعدها؟

ثم تابعت، بنبرةٍ أكثر هدوءًا وأشدّ نفاذًا:

ــ ألا ترغب في التخلّص من الوحدة يا فريد زمنك؟!

كان في السؤال ما يتجاوز ظاهره. لم تكن تسأل عن النوم، ولا عن القهوة، ولا حتى عن العمر؛ كانت تسأل عن ذلك الرجل الذي يمضي في الحياة على طريقته، يقترب من الأشياء بقدر ما تسمح له روحه، ويبتعد عنها حين يشعر أنّ الاقتراب قد يكلّفه شيئًا من نفسه.

 

قلت، وقد استوقفني السؤال:

ــ علاقتي بالحياة قوية متوهّجة، إن كنتِ لا تعلمين. ما زال في داخلي الكثير من الأمل، لا لأنني أجهل ما تفعله السنوات بالجسد، ولا لأنني أتوهم أنّ الحياة مدينةٌ لي بالمزيد، بل لأنني لا أريد أن أُخْتَصَرَ في عمرٍ أو مكانٍ أو انتماء.

لا أحب أن تحسبني السنوات، أو الأقطار، أو الطوائف، أو الأحزاب والسياسات والأيديولوجيات. ولا أريد أن تحدّدني مهنتي، أو أن يحبسني جنسٌ أدبيّ في خانةٍ لا أغادرها. أسعى لأن أبقى خارج التصنيفات، لا تعاليًا عليها، بل إيمانًا بأنّ الإنسان أوسع من الاسم الذي يُطلق عليه، وأعقد من الصورة التي يرسمها الآخرون له.

أريد أن أُحسب على الوعي؛ على قدرتي على رؤية ما وراء الأشياء، ومساءلة ما اعتاده الناس حتى حسبوه حقيقةً لا تقبل النقاش. أريد أن أظلّ قادرًا على الدهشة، وأن أحتفظ بحقي في الاختلاف، حتى لو جعلني ذلك أقلّ قابليةً للفهم، وأكثر عرضةً لسوء التأويل.

 

قالت:

ــ لكن علاقتك بالحياة تبدو للبعض ملتبسة. الاقتراب منك يثير فيهم الخوف من المحو، والابتعاد عنك لا يعفيهم من الشعور نفسه. ومع ذلك، فإنّ الاقتراب منك يشبه اكتشاف كنزٍ من الدهشة.

 

قلت بجدّية:

ــ يا سيدتي، للاقترب مني مستوياتٌ كثيرة، وأسعى جاهدًا لأن يكون كلّ مستوى منها امتيازًا لمن يبلغه، وإن كانت الطريق إليّ وعرة، والتراكيب معقّدة.

لا أدّعي أنّني رجلٌ سهل، ولا أظنّ أنّ الإنسان الذي قضى عمرًا طويلًا في مساءلة نفسه والعالم، يخرج من تلك الرحلة بسيطًا أو قابلًا للاختصار. بعضنا لا تُفهم أبوابه من النظرة الأولى، وبعضنا يحتاج إلى صبرٍ يتجاوز فضول البدايات. وليس كلّ اقترابٍ وصولًا، كما أنّ ليس كلّ ابتعادٍ نجاة. أمّا حكاية الثمانين، فأحبّ أن أطمئنك إلى أنّ الموت لا يشغل منّي الآن ذلك  الحيّز الذي تتوقعينه. أعرف أنّه حقيقةٌ لا مفرّ منها، لكنني لا أرى جدوى في أن أستقبله كلّ يومٍ في خيالي، وأن أمنحه من عمري ما لم يأتِ بعد. أنا

أسابق الحياة، يا سيدتي، لا هربًا من نهايتها، بل رغبةً في أن أفوز بثمالتها الأخيرة.

لست متشائمًا من وضعي الصحي، ولا أريد أن أتمادى في غبار الأماني وأوهامها. أعرف أنّ الأمل ليس عقدًا تضمن الحياة الوفاء به، وأنّ الرغبة لا تغيّر قوانين الزمن، لكنني أرجو الله أن يمهلني بضع سنواتٍ إضافية، أُنجز فيها حديثي عن هواجسي، وأكتب ما ظلّ يتزاحم في رأسي طويلًا، وأقول ما أراه جديرًا بأن يُقال قبل أن يصمت الصوت.

لا أطلب عمرًا لا ينتهي، ولا أساوم الحياة على خلودٍ لا تمنحه لأحد. أريد وقتًا يكفي لإنجاز ما بدأت، وللكشف عن بعض ما أخفيت، ولأن أخرج من هذه الحياة وقد قلت شيئًا يشبهني، لا أن أرحل وفي داخلي مكتبةٌ كاملة لم يكتمل فتح أبوابها.

فالذي يخيفني ليس الموت بحدّ ذاته، بل أن يسبقني إلى النهاية كلامٌ لم أقله، وكتبٌ لم أكتبها، وأفكارٌ ظلّت معلّقةً في رأسي، لأنني كنت أظنّ أنّ الوقت ما زال يتّسع لكلّ شيء.

نحن، يا سيدتي، نتصرف أحيانًا كما لو أنّ العمر فائضٌ عن حاجتنا؛ نؤجّل اعترافاتنا، ونؤخّر أحلامنا، ونترك الكلمات الجميلة حبيسة صدورنا، ونظنّ أنّ الغد سيمنحنا فرصةً أخرى. ثم نكتشف، متأخرين، أنّ أكثر ما يؤلمنا ليس ما عجزنا عن فعله، بل ما كان في مقدورنا فعله، لكننا لم نفعل.

لهذا أريد أن أكتب، وأن أعيش، وأن أقول لمن أحبّ إنني أحبّه، وأن ألوّح لمن أودّع تلويحةً تليق بما كان بيننا. لاأريد أن أترك خلفي كلّ هذا الصمت، ولا أن أكتشف في آخرالطريق أنّني كنت حريصًا على إخفاء مشاعري أكثر  من حرصي على عيشها.

ثم إنني لا أريد أن أقضي ما تبقّى من عمري في عدّ ما فقدت، أو في استباق ما سأفقد. ما زالت هناك أشياء صغيرة تستحقّ أن أعيش من أجلها؛ فنجان قهوة في ساعةٍ متأخرة، وكتابٌ يفتح نافذةً لم أكن أعرف بوجودها، وصوتٌ يأتي من الطرف الآخر للهاتف ليسألني، بكلّ ما فيه من قلقٍ ومودّة:

لِمَ أنت سهران؟!

أليس في هذا السؤال وحده ما يكفي لأن نشعر بأننا ما زلنا مرئيّين في هذا العالم؟! أمّا الوحدة، فحكايتها مختلفة.

لا أنكر أنّني وحيد، لكنني لا أرى في كلّ وحدةٍ هزيمة، كما لا أرى في كلّ صحبةٍ نجاة. كم من إنسانٍ تحيط به الوجوه ولا يجد بينها وجهًا يستطيع أن يبوح أمامه بحقيقته، وكم من وحيدٍ تؤنسه فكرةٌ أو قصيدةٌ أو صوتٌ يأتيه في منتصف الليل، فيشعر بأنّ العالم لم يغلق أبوابه تمامًا.

ليست الوحدة دائمًا غياب الآخرين؛ أحيانًا تكون غياب ذلك الشخص الذي نستطيع أن نكون أمامه كما نحن، بلا دفاعات، ولا تبريرات، ولا حاجةٍ إلى تنقيح أرواحنا كي تبدو مقبولة.

ولعلّ ما أريده من القرب ليس أن يملأ أحدهم فراغ حياتي، بل أن يضيف إليها معنى. أن يكون حضوره اختيارًا لا خوفًا، ومودّةً لا شفقة، وشراكةً لا محاولةً لإصلاح ما يظنّ أنّه معطوب فيّ.

لا أريد أحدًا يقترب مني، لأنه يخشى أن أكون وحيدًا، ولا لأنّ العمر تقدّم بي، ولا لأنّ الثمانين تقف على عتبة السؤال. أريد من يقترب لأنه وجد فيّ ما يستحقّ الاقتراب، ولأنه يستطيع أن يرى وحدتي من دون أن يتعامل معها بوصفها عيبًا، وأن يحترم صمتي من دون أن يظنّ أنّ عليه دائمًا أن ينقذني منه.

فليس كلّ من عاش طويلًا بحاجةٍ إلى من يمسك بيده كي يواصل الطريق، وليس كلّ من اعتاد الوحدة قد تصالح معها تمامًا. نحن أكثر تعقيدًا من هذه الأحكام السهلة؛ قد نحبّ وحدتنا ونشتاق إلى من يبدّدها، وقد نطلب القرب ونخشى ما قد يفرضه علينا، وقد نبدو مكتفين بأنفسنا، بينما نتمنّى في سرّنا أن يسألنا أحدٌ عن تعبٍ لم نُفصح عنه. فهذا، في ظنّي، ليس تناقضًا، بل بعض ما يجعلنا بشرًا. سكتُّ قليلًا، ثم تابعتُ:

ــ لا تقلقي عليّ يا سيدتي. ما زلت أملك من الرغبة في الحياة ما يجعلني أستيقظ كلّ صباحٍ وفي رأسي فكرة، أو سؤال، أو رغبةٌ في كتابة شيءٍ لم يُكتب بعد. سأظلّ أقرأ وأكتب وأحتسي قهوتي، وسأترك للموت موعده، فلا أستعجله بالقلق، ولا أستدعيه بالتشاؤم.

لكنني، في المقابل، لن أتصرف كما لو أنّ العمر حقٌّ مكتسبٌ، أو أنّ الغد وعدٌ مضمون. سأحاول أن أعيش ما أملكه من الوقت، لا أن أظلّ منشغلًا بما قد يُسلب منّي.

أريد أن أبقى يقظًا للحياة، حتى حين يتعب الجسد، وأن أحتفظ بشيءٍ من المشاكسة، حتى حين تصبح الأيام أكثر جدّيةً مما أحب، وأن أظلّ قادرًا على الضحك من خوفي، وعلى تحويل بعض أوجاعي إلى كلماتٍ قد يجد فيها آخرون عزاءهم.

فإن كان لا بدّ من الرحيل يومًا، فلا أريد أن أرحل مهزومًا قبل المعركة، ولا أن أعيش سنواتي الأخيرة كأنني أقف في طابور انتظار الموت. أريد

أن أكون هنا، ما دمت هنا؛ أن أعيش الحياة، لا أن أراقبها وهي تنسحب منّي ببطء.

بعدها، لم تسألني عن القهوة، ولا عن النوم، ولا عن الثمانين وما بعدها. تركت بيننا صمتًا لم أشأ أن أفسده بالكلام.

أعدت السماعة إلى مكانها، ونظرت إلى فنجاني. كان الليل قد تقدّم، لكنّ شيئًا في داخلي بدا أكثر هدوءًا. لم يتغيّر شيءٌ في العالم؛ بقي العمر عمرًا، والوحدة وحدة، والأسئلة معلّقةً في مكانها. غير أنّ صوتًا واحدًا كان كافيًا ليذكّرني بأنّ الإنسان، مهما أحسن التعايش مع وحدته، يظلّ بحاجةٍ إلى من يلتفت إليه بين الحين والآخر..

رفعتُ الفنجان إلى شفتيّ، وابتسمت. لعلّ الحياة لا تحتاج منّا إلى أكثر من ذلك: أن نعرف أنّها مؤقّتة، من دون أن نسمح لهذه المعرفة بأن تسرق متعتنا بها؛ وأن نعرف أنّ الرحيل قادم، من دون أن نقضي ما تبقّى لنا في انتظاره؛ وأن نتصالح مع وحدتنا، من دون أن نغلق أبوابنا في وجه الذين قد يجعلونها أقلّ وحشة.

أمّا أنا، فسأواصل الكتابة. ليس لأنّ الكلمات تمنح أصحابها حياةً أطول، بل لأنها تمنح الحياة التي نعيشها معنى أعمق، وتمنح ما نعجز عن الاحتفاظ به فرصةً أخرى للبقاء. وسأظلّ أسهر، ما دام في رأسي كلامٌ لم أقله، وفي  قلبي دهشةٌ لم تنطفئ، وفي العالم شيءٌ يستحقّ أن أكتب عنه. فأنا لا أخشى أن تنتهي حياتي يومًا؛ ما أخشاه أن تنتهي رغبتي في الحياة قبل أن تنتهي حياتي. وأمّا الثمانون، فسأتركها للأرقام.

لديّ ما هو أهمّ من عدّ السنين: أن أعيش ما بقي منها، وأن أقول ما يجب أن يُقال، وأن أظلّ قادرًا، حتى آخر فنجان قهوة، على أن أفاجأ بالحياة. فما دمت أسألها عمّا تخبّئه لي، وما دمت أنتظر منها شيئًا لم يحدث بعد، فإنّ الحكاية لم تنتهِ.

الاردن – 10 /10 /2026