
أوراق عائلية: نداء من الماضي
يوسف أبو الفوز
رنّ الهاتف متأخرًا.
في أيام المنفى، أخاف كثيرًا من النداءات المتأخرة ليلًا، والمبكرة فجرًا؛ فقد حملت إليّ مثل هذه النداءات، أكثر من مرة، أخبار رحيل أحبّة لم أستطع حتى أن أودّعهم. نصحني صديق بأن أتجاهل مثل هذه المكالمات؛ فمن تجربته، يعتقد أن بعضها لا ينتهي بانتهاء المكالمة، بل يترك أثرًا عميقًا في الروح.
لكنني لم أستطع تجاهل الرقم المجهول حين رأيت (مفتاح العراق). كيف أتجاهل نداءً يأتي من العراق؟ من المكان الذي تسكنه الروح وقدّمنا له زهرة شبابنا، أيام مطاردات ضباع البعث لنا من شارع لشارع لأجل إذلالنا وسلب حقنا في أن يكون لنا موقف مختلف، وفي سنوات العنفوان أيام الكفاح المسلح في جبال كردستان الأبية، ومرارات سنوات التشرد بحثًا عن سقف آمن في المنفى الذي صار رغمًا عنا وطنًا آخر...
ـ أهلًا...
أجبت، محاولًا أن أبدو متماسكًا، فيما كانت يدي تصارع ارتجافها.
على الطرف الآخر، صوت امرأة قوي، مترع بعراقيته، وفيه لكنة السماوة الحبيبة. كنت أشمّ رائحة تلك الكلمات وأتحسسها، كأنها آتية من شارع قديم لم يغادرني، من عگد اليهود أو عگد موسكو أو عگد دبعن أو...
ـ مساء الخير...
ارتجف قلبي. تركت الصالة وأسرعت إلى غرفة المكتب؛ المكان الذي أختلي فيه دائمًا بكتبي وأوراقي وشخوص قصصي ورواياتي وعوالم كتاباتي. أردت أن أستقبل الخبر ـ أي خبر! ـ وحدي. كانت شادمان مشغولة على الهاتف مع أخواتها في شيكاغو.
جاءني الصوت:
ـ أنت يوسف علي هداد؟
يا رب السماوات! بدأت الأسئلة تتزاحم سريعًا في رأسي.
ـ نعم، أختي، تفضلي.
ـ أبو فواز؟
ـ نعم... والآن صرت أبا الفوز.
ـ صوتك ما تغيّر كثيرًا.
إذن هي معرفة قديمة. سألتها:
ـ من معي، لو سمحت؟
وهنا انخرطت المرأة في بكاء مرير.
ارتبكت جدًا. يا رب العالمين... من مات؟
في لحظة واحدة، مرّت أمامي وجوه الذين رحلوا:
ـ أبي، الذي قتلته مرارة أيام اختفائنا في الوطن، وكبسات الأمن واستباحتهم بيتنا أكثر من مرة، حتى اضطر ثلاثة من أبنائه إلى ترك الوطن.
ـ أمي، التي أكلها الحزن والشوق لأبناء لم تفرح بهدهدة أولادهم.
ـ أخي الأكبر كاظم، درويش العائلة، الشهم، واستدعاءات الأمن المتكررة له لشم أخبار تواصله مع إخوته البعيدين، والذي نام القيلولة يومًا بهدوء ليمضي بهدوء؛ في موت يشبهه.
ـ أخي هاشم، الذي خطفته منا الكورونا اللعينة.
ثم وجوه أصدقاء كثيرين في العراق، غادرتهم ولم يغادروني. من منهم رحل هذه المرة؟ أخت أيٍّ منهم معي على الخط؟ ولماذا تتصل بي تحديدًا؟
قلت لها بلغة من رجاء:
ـ عفوًا أختي... ممكن أعرف من أنتِ أولًا؟
ساد صمت قصير. تخيلتها تأخذ نفسًا عميقًا لتتمالك نفسها، وربما تمرّر يدها على خدها، تمسح دمعةً أفلتت منها.
لنسمّها فاطمة. لا أريد كشف اسمها لأسباب يفهمها القارئ الحصيف.
وسألتها:
ـ من أين تتحدثين الآن؟
قالت:
ـ من السماوة.
وسكتنا لحظة.
كان الصوت لابنة جيراننا، أخت أصدقاء وزملاء أيام المدرسة المتوسطة والإعدادية. كنت أكبرها بعدة سنوات. أتذكرها صبيةً جميلة، رقيقة وذكية، وكان لي شرف أن أساعدها أحيانًا في بعض دروسها. أعود من المدرسة فأراها أحيانًا واقفة عند الباب الموارب، تمد رأسها قليلًا إلى الخارج تعبث بضفيرتها، تراقب الشارع.
ـ هل تأتي اليوم؟ عندي واجبات كثيرة.
ـ ما أعتقد، لأن...
ـ غدانا اليوم بامية وتمن، وأهلك طابخين...
كان بيتهم على مسافة عشر دقائق مشيًا من بيتنا. وبين البيتين أرض خالية واسعة، حوّلها شباب المدينة إلى ملعب لكرة القدم.
كانت الجيرة يومها شيئًا آخر. كنا نعرف من يطرق الباب قبل أن نسمع صوته. وإذا خبزت أمي، لا بد أن يصل شيء من الخبز إلى بيت الجيران. وإذا طبخت إحدى الجارات قدرًا طيبًا، لم يكن من المعقول أن يبقى بيتنا خارج الحساب. كانت الأمهات ينادين أبناء الحي من عتبات البيوت عند الغروب:
ـ كافي لعب، صارت الدنيا ليل.
فيتوزع الأطفال بين البيوت، كما لو أن الحي كله بيت واحد.
إذا مرض أحد، امتلأ بيته بالزائرين. وإذا وُلد طفل، سبقت التهاني الخبر. وإذا أقيم عرس، لم يسأل أحد: من دعوت ومن لم تدعُ؟ فالفرح كان شأن الجميع. وأتذكر نساء الحي جالسات مساءً أمام البيوت، استكانات الشاي بين أيديهن، يتحدثن في شؤون الأزواج والأولاد والدنيا.
ـ سافر زوجها للكويت وترك لها ثلاث جهال برقبتها.
ـ سالفة الكويت دخّان. رجلها بالسجن، قالوا قومي من جماعة...
ــ يعني مو شيوعي؟
تصل تلك الأحاديث إلينا من بعيد، فنلتقط منها ما نفهم، ونترك ما لا نفهمه للزمن.
كنا نحن الصغار نركض حولهن، ندور في الأزقة، ونعود إلى بيوتنا حين تنادينا أمهاتنا. ولم نكن نعرف أن تلك الجلسات العادية، التي لم نعرها اهتمامًا يومها، ستصبح بعد عقود من أثمن ما نحمله معنا. حتى خصوماتنا الصغيرة كانت تنتهي بسرعة. يتشاجر طفلان في العصر، وفي المساء تجدهما يأكلان من الصحن نفسه.
يا لها من أيام...
أما الأرض التي كانت ملعبنا، فقد اختفت اليوم تحت بناية إطفائية السماوة والمحلات التجارية الملاصقة. لكنني، حين أتذكرها، لا أرى الأبنية الغريبة. أرى الأولاد، بل وبعض البنات، يركضون خلف كرة (أم ثلاث دراهم). أسمع ضحكاتهم، وصوت أم تنادي ابنها، وأرى الأمهات عند الأبواب، والآباء يعودون من أعمالهم، يحملون تعب النهار وشيئًا صغيرًا لأطفالهم.
ثم عدت إلى المكالمة.
سألتها:
ـ كيف تذكرتيني يا فاطمة؟ وكيف حصلت على رقم هاتفي بعد أكثر من أربعين عامًا؟
أخبرتني أنها كانت تتحدث مع إحدى قريباتها المقيمة في الدانمارك. أخذتا تستعيدان أيام الصبا، وحكايات المدرسة، وأسماء الأصدقاء الذين تفرّقوا في البلاد. ثم جاء اسمي في الحديث. سألت قريبتها:
ـ أتعرِفين أين هو الآن؟
أخبرتها القريبة الدانماركية أنها ما زالت على تواصل معي، طلبًا لمعلومات عن شهداء من أبناء المدينة.
ـ أعطيني رقمه.
وبعد دقائق، رنّ هاتفي.
ذكّرتها بيوم سحبني أخوها من يدي وقال:
ـ تعال معي. ناكل الموجود، وبعدين نقرر وين نروح ندرس؛ مع نزار إيدام لو جبار خضير، أو نروح مقهى علي زغير. اليوم ماكو سينما... لأن ماكو فلوس.
دخلنا بيتهم. لم يكن هناك سوى فاطمة. كان أهل البيت قد تناولوا غداءهم وخرجوا لشؤونهم. بعد دقائق، أطلّ صاحبي خجلًا، وكانت فاطمة تقف خلفه مترددة.
ـ شكو؟
قال صديقي، متعثرًا بالكلمات:
ـ الجماعة أكلوا كل شي... باقي بس شوية تمن.
ـ مو مشكلة، ناكل التمن مع أي شي.
قالت فاطمة:
ـ عدنا بيض.
ولإنقاذ الموقف وإخراج صديقي من حرجه، صحتُ مفتعلًا الفرح:
ـ الله عليكم! أكلتي المفضلة تمن وبيض. دائمًا أطلبها من أمي.
وبعد وقت قصير، كانت أمامنا صحون الرز والبيض المقلي بالزيت وأرغفة الخبز.
وما أطيبها من أكلة!
بعد أسبوعين، كنت أجلس في المكان نفسه، بحضور الأب وبقية الإخوة. مُدّت المائدة، وتنوعت عليها الأطباق الشهية. وأمامي من دون الجميع وضعت فاطمة صحنًا من الرز والبيض المقلي وقالت:
ـ أعددت لك وجبتك المفضلة!
استعدنا في المكالمة أسماء الجيران واحدًا واحدًا، وأسماء رفاق المدرسة، وأيام الملعب، والوجوه التي كانت تملأ الحي. ضحكنا على أشياء صغيرة كنا قد نسيناها، وبكينا على أناس كنا نظن أن أسماءهم ستبقى معنا إلى الأبد. تذكرنا أسماء الذين رحلوا إلى المجد: الشهداء كاظم ورورار، جمال وناس، وصفي ورورار، زهير عمران، باقر ملك، جبار خضير عباس... وغيرهم ممن بقيت أسماؤهم معلقة في الذاكرة.
خلال المكالمة، لم أشعر أنني أتحدث مع امرأة لم أسمع صوتها منذ أكثر من أربعين عامًا. صارت أمًا لخمس بنات وولدين، أنهى أغلبهم دراستهم الجامعية. لم أكن أسمع الأم. كنت أسمع تلك الصبية بثوبها الأزرق، تلعب بضفائرها، وتمد رأسها من خلف الباب الموارب، ترصد الشارع.
كنت أسمع الجارة القديمة. وأنا أتحدث إليها، شعرت كأنني أجلس من جديد مع الأمهات عند عتبات البيوت، والأطفال يركضون في الساحة، والآباء العائدون من أعمالهم ينادون أبناءهم بحزم:
ـ كافي لعب.
كان نداءً من العراق، العراق الذي مضى، لم يحمل أخبارًا عن الماضي؛ كان الماضي نفسه هو الذي اتصل بي. عاد إليّ، ولو لساعة، الحي القديم، الجيران، الضحكات، الخبز الحار، الملعب، والوجوه التي أحببناها ثم فرّقتنا عنها عاديات الزمن. عاد صوت الجيرة، ذلك الصوت الذي لا يحتاج إلى رقم هاتف كي يصل.
فجر 18 أيلول 2026
* اللوحة من الأنترنيت للفنانة ميسون الربيعي
**صورة الكاتب، من تلك الأيام، يتوسط أثنين من أصحابه، تصوير المصور أمين العاقولي.
