
يوميات حسين الاعظمي (1502)
مقاميون بلا حدود/ 12
احمـــد موســـى المقامي المعبِّر
(1905- 1968)
ملف خاص عن مطرب المقام العراقي احمد موسى. من كتابي(الطريقة القندرجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في كانون ثاني 2007.
ما زلنا نجد اسم المطرب القدير احمد موسى يتردد بين الاوساط المقامية بالرغم من هبوط شهرته بعد وفاته في 25 آب 1968. ونحاول في بداية حديثنا عن المطرب احمد موسى ان نعطي فكرة مختصرة عن فنِّه المقامي. فقد بدأ احمد موسى سيرته الفنية في نفس الحقبة التي عاصرت ظهور الكثير من المغنين المقاميين الذين كانوا يقيمون الحفلات من دار الاذاعة العراقية على الهواء مباشرة..! والتي لم يوثق معظمها..! وذلك منذ ان تأسست الاذاعة العراقية في بغداد مطلع الثلاثينيات. واستمرت هذه الحفلات دون تسجيل يذكر حتى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين. ولكن في السنوات التي تلت ذلك والى حين وفاته كما يبدو لنا، قد سجل العديد من المقامات العراقية في استوديوهات الاذاعة العراقية. اما اهم هذه المقامات العراقية التي تم الاستماع اليها من قبل الجمهور مسجلة بصوت احمد موسى المعبِّر من الاذاعة. فهي مقامي العريبون (عريبون عجم وعريبون عرب) مجتمعين في مقام واحد. ومقام الابراهيمي ومقام الحسيني. وفي هذه المقامات العراقية يتميز اداء احمد موسى الغنائي بالتعابير البغدادية الاصيلة. وتمسكه الدقيق بمباديء (الطريقة القندرجية) الذي تلذَّذَ بتعابيرها كما يبدو عند سماعنا لهذه المقامات العراقية مستغلا هذه القيم ليعبِّر بحزن مهذب جميل تميَّز بالصدق معلنا عن كونه فنانا ذا خبرة وتجربة اضفت على اسلوبه هذه التعابير.
مقام الابراهيمي
يتجسد الكثير مما مرّ ذكره عن غناء احمد موسى عند سماعنا له في مقام الابراهيمي المؤدى بهذا الزهيري المتداول غناءه لدى بعض المغنين الآخرين وبعضهم بنفس هذا المقام وهذا مطلع الزهيري.
(فجر النوى لاح ياعاذل تجــــلى أو طار)
قدم احمد موسى للغناء المقامي والثقافة المقامية عامة، تراثا فنيا وافرا غنياً، وجاءت مقاماته العراقية المسجلة بصوته المؤثر، علامة واضحة على طريق تطور (الطريقة القندرجية الكلاسيكية). فقد تأكد وجود ذلك في كل نتاجاته الغنائية المقامية، الاتجاه الكلاسيكي(هامش1) الذي ميَّز نتاجات المغنين المعاصرين له او ممن عاش هذه الحقبة الزمنية الملتزمين باسسس الطرق القديمة وبالذات من اتباع (الطربقة القندرجية) ذات الاتجاه الجمالي الكلاسيكي. كما جاءت نفس هذه النتاجات الكلاسيكية في غناء المقام العراقي دلالة على قوة الغناء المقامي في هذا الاتجاه الجمالي امام تجاه المذهب الجمالي الرومانسي(هامش2). علاوة على ذلك فقد اعطى احمد موسى في مقاماته العراقية هذه، صورة أخرى جديدة على جمالية (الطريقة القندرجية) في تعابيرها الغنائية.
مقام الحسيني
بالاضافة إلى كل ذلك، فإن احمد موسى يعتبر من اكثر المغنين من اتباع(الطريقة القندرجية) الذين اعطوا نتاجا غنائيا وطنيا وقوميا اصيلاً، معبّق بكل ما هو عراقي حقاً. فالروح العراقية والطابع المميز للشعب العراقي وحياته وطبيعته، كل ذلك يبرز بجلاء بين ثنايا التعابير الجميلة لمقامات احمد موسى الغنائية. ولا ادل على ذلك من مقام الحسيني المؤدى بصوته بهذه القصيدة للشاعر ابن مليك الحموي وهذا مطلع القصيدة.
(قسما بحفظ عهودكــــم وودادي/لم اقض منكم في الغرام مـرادي)
بوجهة نظر ثابتة، اكسبت نتاجات احمد موسى في غنائه للمقامات العراقية، غنىً تفتقر اليه بعض التسجيلات المقامية المسجلة باصوات الآخرين من زملائه. فقد كانت تعابيره حزنا شجيا مهذبا كما يبدو عند سماعنا لها. عبّر فيها باسلوب بغدادي اختلف فيه عن غيره..! من مميزاته انه ارتقى إلى الصدق في التعبير وادى مقاماته العراقية التي سجلها بصوته باصولها التقليدية المتبعة. وبهذه الوسائل احتفظ احمد موسى بشهرته وموقعه الفعَّال بين مؤدي المقامات العراقية في القرن العشرين. ومع ذلك فان المقامي احمد موسى يختلف عن بعض معاصريه كمحمد العاشق واسماعيل عبادة ومجيد رشيد ورشيد الفضلي وعبد الهادي البياتي وحسن خيوكة. في ان مقاماته العراقية التي سجلها بصوته، توصف بأنها تحوي جماليات ادائية بيئية خالصة جميلة وطنية.
لقد كان المطرب المقامي احمد موسى جزء من تيار الاسلوب والاتجاه الكلاسيكي في الغناء المقامي العراقي في النصف الاول من القرن العشرين. ولكن ليس قوة شديدة الوعي خلف ذلك التيار. ورغم ان اذاعة مقاماته العراقية من خلال الاذاعة العراقية باتت منسية للاسف الشديد. إلا أن تأثيره لم يزل باقيا لدى اكثر مستمعي الوسط المقامي.
مقام العريبون عرب
والآن لنستمع إلى مقام العريبون عرب ومقام العريبون عجم معا مرة واحدة. المغنى من قبل احمد موسى. لكنني لم استطع تتبع مفردات القصيدة المغناة في مقام عريبون العجم..! في حين استطعت بالمقابل معرفة مفردات الزهيري المغنى في مقام العريبون عرب لشهرة هذا الزهيري ولاعتياد الكثير من المغنين اختياره في غناء نفس هذا المقام وهذا مطلع الزهيري.
(يا قلب واشطيحك باحبالــهم وشـــراك)
كان مطرب المقام العراقي احمد موسى، تلميذا صريحا للطرق الادائية القديمة التي سبقت ظهور المطرب الكبير محمد القبانجي. فهو احد اتباع (الطريقة القندرجية) المخلصين..! وقد كان مثل اقرانه المعاصرين الذين ينتمون لنفس الاتجاه القندرجي. واعيا وصريحا ومعبِّرا عن تلك الطرق القديمة التي صهرها وهذبها المطرب الكبير رشيد القندرجي واسميتها بـ(الطريقة القندرجية) التي اضمحل وجودها بمرور الزمن في نهايات القرن العشرين..! بسبب التأثير العظيم (للطريقة القبانجية) الموصوفة بالاتجاه الرومانتيكي ذات التوالد الذاتي للابداعات والتجديدات المستمرة إلى يوم الناس هذا. وستبقى على هذا المنوال الى ما شاء الله.
لاشك ان الوسط المقامي وممن يهتم بشؤونه، يسير في مجال النهضة منذ مطلع القرن العشرين. ان الاساليب القديمة في الغناء قد زال معظمها ولم تبق لها اية سلطة فنية..! فقد انجذب الكثير من مؤدي المقام العراقي خلف (الطريقة القبانجية) ومؤسسها المطرب الكبير محمد القبانجي. وسار عليها معظم اللاحقين له رغم ان طبيعة التطور الحاصل في حياتنا المعاصرة اوجد بعض المغنين المبدعين الذين نحوا المنحى التجديدي والابداعي(للطريقة القبانجية) كحسن خيوكة ويوسف عمر وناظم الغزالي وعبدالرحمن العزاوي وغيرهم. وهم الذين وضعت لهم كتابا خاصا بفنهم المقامي اسميته (الاربعة الكبار في المقام العراقي)(هامش3) واثبتوا بذلك بأن الابداع لا ينضب وان الحياة في ديناميكية فعَّالة..! مهما كانت عليه هذه الحياة ومهما كان عليه حال الاداء الغناقامي(هامش4). وكتلميذ نشيط، عرف احمد موسى قيمة الطرق القديمة في الغناقامي فعبَّر عنها بعمق وصراحة. فضمن بذلك موقعا مرموقا في قائمة مؤدي المقام العراقي منتصف القرن العشرين.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: الكلاسيكية التقليدية – Classicisim : في الادب والفن الميل الى مراعاة الاشكال التقليدية والاصول المقررة التي استقر عليها العرف ومن شأنها الاهتمام بوضوح الفكرة وعذوبة الاسلوب وتناسق العبارات. اما في الموسيقى فهي الاهتمام بموضوعية الفكرة والتركيز على توازن البناء، وتقارن الكلاسيكية بالرومانسية في اكثر الاحوال.
هامش2: (الرومانسية – Romanticism): الاتجاه نحو التحرر من القواعد القائمة والتقاليد الموروثة وحب الطبيعة وتغليب المشاعر الذاتية والخيال على العقل والمنطق. والرومانسية تدل على الشخصية الحالمة ذات المزاج الشاعري المنطوي على نفسه، ثم امتد معناها الى ما يشمل شبوب العاطفة والاستسلام للعاطفة للمشاعر والاضطراب النفسي والفردية والذاتية والثورة على الثوابت.
هامش3: الكتاب صدر في الجزائر 2007.
هامش4: الغناقامي اختصارا لكلمتيْ (الغناء المقامي).
صورة واحدة / مطرب المقام العراقي احمد موسى.
