
تشخيصات ونصائح الجدات الدكتورات
صالح مهدي محمد
في عصرِ المجمعات الطبية الضخمة، والأجهزة التي تفحص الجينات في ثوانٍ، وتهافت الشركات الطبية على التنافس في صناعة العلاج الأفضل والأسرع في الشفاء، تقف الجَدّة بابتسامتها الواثقة لتختزل هذا التهافت بعلاجها السحري، لتُعلن أنها قادرة على إهداء وصفة علاجية دون أن تضع نصب عينها ما درسه الأطباء في سبع سنوات من الطب والبشرية!
بالنسبة للجدة، لا تتوزع الأمراض البشرية على تخصصات مثل الباطنية، والقلب، والأعصاب، والعظام. التخصص الوحيد المعترف به في الدستور الطبي المنزلي هو: "برد دخل لجسمك"، والعلاج متوفر ومحسوم في رف المطبخ الثاني على اليمين: النعناع والزنجبيل.
إذا اشتكيت من صداعٍ نصفي سببه الإرهاق والتدقيق في شاشة الكمبيوتر أو الهاتف لمدة عشر ساعات، ستنظر إليك الجدة بأسى وتقول: "قم يُمّه، سوّ لك كوب نعناع دافئ ويطير الصداع!". وإذا أحسست بألم في الظهر أو الساق حتى يتملكك الخوف من سبب الوجع، ستأتي بكل ثبات ومعرفة بالدواء رغم تألمها معك، وهي تحمل كوباً ينبعث منه بخار الزنجبيل الحار قائلة: "اشرب هذا، الزنجبيل بيطلع البرد اللي استقر بالعظم!". بل إنك لو كنت أمام احتياج مالي لمراجعة الطبيب أو دفع فاتورة الصيدلية، فلن تستغرب لو خففت هي من وطأة التكلفة؛ إذ تذهب مسرعة لتُقدم لك "غليّة" نعناع مع كمون لتعديل المزاج وتبديد الضيقة! فتجد أن الأمر لو اقتصر على هذا لما أُفرِغَ جيبُك، لكنك أمام إجابة فورية وطيبة إنسانةٍ لا تفكر إلا برفع الألم دون جدال.
تعتمد الجدة في فلسفتها العلاجية على نظرية مبسطة جداً: النعناع لكل ما هو ناتج عن القولون، والدوخة، والحرارة، والعين الحسود. والزنجبيل لكل ما يتعلق بـ البرد، ووجع العظام، والكسل، والمفاصل، وضيق النفس، والكآبة.
أما الطب الحديث بكل ميزانياته الضخمة، فلا شك أنه يقبع في موقف الحرج أمام هذه الترسانة العشبية. فبينما يطلب منك الطبيب قائمة طويلة من التحاليل والأشعة الملونة ليعرف سبب المغص، حسمت الجدة التشخيص من النظرة الأولى: "هذا لأنك نمت والمكيف شغال، أو لأنك طلعت بره وشعرك مبلل!". التشخيص جاهز، والعلاج محظور مناقشته أو التشكيك فيه.
والعجيب في الأمر ليس فقط قوة إيمان الجدة بالنعناع والزنجبيل، بل تلك "الجرعة القسرية" التي عليك تناولها. فالكوب الذي تعدّه الجدة ليس مشروباً دافئاً للاسترخاء، بل هو خلطة مركزة تغلي حتى تتكثف ذراتها، لتشربه وأنت تتلوى من شدة المرارة واللسعة، تحت نظراتها الصارمة التي تتابع كل تقلباتك لتتأكد من أن الشفاء قد بدأ يسري في عروقك فعلياً.
الغريب حقاً؟ أنك بعد أن تشرب هذا المزيج الخارق، وتتغطى ببطانيتين ثقيلتين في منتصف الصيف بناءً على أوامرها الشديدة، تستيقظ في اليوم التالي وقد تحسنت حالتك بالفعل! هل هو المفعول السحري للخلطات العطرية؟ أم هو الخوف المضمر من أن تطلب منك شرب كوبٍ ثانٍ أكثر تركيزاً من الأول؟ ربما لأنّ توجّعَك بسيطٌ، لا أحد يعلم بيقين.
رحم الله الجدات، وحفظ الأحياء منهن؛ فهن الصيدلية الأولى، والشاهد الأكبر على أن أبسط الأشياء مع كثير من الحب والاهتمام قد تكون بالفعل خير دواء.
