
نحو تجديد المشروع الوطني الديمقراطي:
7. المشروع الوطني الديمقراطي والحامل الاجتماعي للتغيير
يونس متي
لا يكفي لأي مشروع سياسي أن يمتلك رؤية واضحة للأزمة أو برنامج متكامل لمعالجة مشكلات المجتمع، ففاعليته ترتبط بقدرته على إيجاد القوى الاجتماعية التي تتبنى أفكاره وتدافع عنها وتحولها إلى فعل سياسي واجتماعي. ولهذا، فإن تجديد المشروع الوطني الديمقراطي في العراق لا يقتصر على مراجعة برنامجه، بل يشمل أيضاً تحديد القوى التي يمكن أن تتحالف معه، وبناء حامل اجتماعي قادر على تحويل رؤيته إلى واقع.
فالتجارب الإنسانية تؤكد أن التحولات الكبرى لم تكن نتيجة الأفكار وحدها، كما أنها لم تكن كذلك نتيجة حركة اجتماعية تفتقر إلى الرؤية. فالفكرة تحتاج إلى قوى اجتماعية تمنحها القدرة على التأثير، وهذه القوى تحتاج إلى مشروع يحدد الاتجاه وينظم طاقتها ويحول مطالبها إلى فعل سياسي. ومن هذا الترابط تنبع أهمية إعادة النظر في القوى الاجتماعية التي يمكن أن تحمل المشروع الوطني الديمقراطي في العراق المعاصر.
لقد شهد المجتمع العراقي خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة غيرت الكثير من ملامح بنيته الاجتماعية والاقتصادية. فلم تعد مواقع العمل والإنتاج التقليدية تحدد، بالدرجة نفسها، هوية الفئات الاجتماعية وأدوارها السياسية. فقد أدى توسع الدولة الريعية، وتراجع القطاعات الإنتاجية، وانتشار الاقتصاد غير المنظم، وتغير أنماط العمل، إلى نشوء واقع اجتماعي أكثر تعقيداً وتنوعاً.
وتفرض هذه التحولات مراجعة النظرة إلى القوى الاجتماعية المعنية بمشروع التغيير. فالعدالة الاجتماعية لم تعد مطلب يرتبط بفئة محددة، بل أصبحت قضية مشتركة بين قطاعات واسعة تعاني من البطالة وضعف الخدمات وتراجع فرص التنمية وغياب الحماية الاجتماعية. كما أن بناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على المواطنة وسيادة القانون يتطلب مشاركة قوى متعددة تتضرر من استمرار المحاصصة والفساد وضعف المؤسسات.
ولا يمكن للمشروع الوطني الديمقراطي أن يتعامل مع المجتمع بوصفه جمهور ينتظر خطاب سياسي جاهز، بل ينبغي أن يراه شريك في صياغة المشروع وبناء أدواته. ففاعلية القوى السياسية لا تتحدد بوضوح أفكارها وحده، وإنما بقدرتها على فهم المجتمع والاستماع إلى تحولاته والتفاعل مع مطالبه، وترجمتها إلى برامج وسياسات قابلة للتحقيق.
ويتطلب بناء الحامل الاجتماعي للتغيير الانتقال من البحث عن قوة اجتماعية واحدة تحمل المشروع إلى بناء تحالف واسع بين قوى متعددة تجمعها مصالح مشتركة وأهداف متفق عليها، في مقدمتها بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وحماية الحقوق، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإنهاء هيمنة المحاصصة والفساد والاقتصاد الريعي. ولا يعني ذلك افتراض تطابق مصالح هذه القوى في جميع القضايا، بل تحديد المساحات التي يمكن أن تلتقي فيها وتعمل من خلالها لتحقيق تغيير ديمقراطي سلمي.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية التواصل مع العمال في أشكال عملهم الجديدة، والموظفين، والشباب الباحثين عن فرص العمل والمشاركة، والمنتجين الصغار، والمهنيين، والنقابات، والحركات الاجتماعية، والمنظمات المدنية والثقافية. فهذه الفئات تختلف في مواقعها ومطالبها، لكنها تستطيع الالتقاء حول قضايا تمس حياتها اليومية، وحول مشروع يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة والحقوق والعدالة الاجتماعية.
وتحتل الأجيال الجديدة موقع مركزي في هذا المسعى. فالشباب يعيشون في بيئة مختلفة، ولديهم أساليب جديدة في التعبير والتنظيم والتواصل، الأمر الذي يتطلب تجاوز التعامل معهم بوصفهم مجرد جمهور انتخابي أو فئة تحتاج إلى التوجيه. المطلوب إشراكهم في بناء المشروع وتجديد أدواته وأساليبه، والاستفادة من مبادراتهم وقدرتهم على التعبير عن قضاياهم. فالتجديد الذي لا يجد طريقه إلى الأجيال الجديدة يواجه صعوبة في ضمان استمراره وتجدد قواه.
ولا يتحقق هذا التواصل بالخطاب السياسي وحده، بل يتطلب حضور عملي في قضايا المجتمع. فالمواطن يحتاج إلى أن يرى صلة واضحة بين المشروع السياسي ومشكلاته اليومية، من فرص العمل والخدمات إلى مكافحة الفساد وحماية الحقوق وتوسيع المشاركة في صنع القرار. وكلما ارتبط العمل السياسي بهذه القضايا، ازدادت إمكانية بناء الثقة بين القوى التي تطرح المشروع والفئات التي يُفترض أن تستفيد من تحقيق أهدافه.
لكن الحامل الاجتماعي لا يتشكل تلقائياً لمجرد وجود فئات متضررة أو مصالح مشتركة بينها. فالتذمر من الأوضاع القائمة لا يتحول بالضرورة إلى قوة تغيير، كما أن تشابه المطالب لا يقود وحده إلى عمل جماعي منظم. ويتطلب الأمر عمل متواصل في المجتمع، وتنظيم المطالب، وبناء أشكال من التعاون بين الفئات المختلفة، وربط مصالحها المباشرة برؤية وطنية مشتركة. عندها يمكن الانتقال من وجود قوى متفرقة إلى قدرة جماعية على التأثير والضغط والمشاركة في التغيير.
ويبرز هنا أحد التحديات الأساسية أمام المشروع الوطني الديمقراطي، وهو الانتقال من تفسير الأزمة وتشخيص أسبابها إلى المشاركة الفعلية في بناء البديل. فصحة التحليل ووضوح البرنامج يظلان ضروريين، لكنهما لا يكفيان ما لم تقترن بهما القدرة على تنظيم المصالح الاجتماعية المتنوعة، وبناء التحالفات، وتطوير أشكال العمل السياسي والنقابي والمدني التي تتيح لهذه المصالح أن تجد تعبيرها في الحياة العامة.
ولا يعني بناء حامل اجتماعي واسع التخلي عن الهوية الفكرية للمشروع الوطني الديمقراطي أو التخفيف من وضوح أهدافه. فوضوح المبادئ هو ما يتيح بناء تحالفات على أساس القضايا المشتركة، من دون أن تتحول إلى تفاهمات عابرة تفتقر إلى الاتجاه والقدرة على الاستمرار. والمطلوب هو الجمع بين وضوح المشروع والانفتاح على المجتمع، وبين الدفاع عن أهداف التغيير والاستعداد للعمل مع قوى تختلف في مرجعياتها ومواقعها، لكنها تلتقي حول بناء دولة ديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية وصيانة الحقوق.
إن تجديد المشروع الوطني الديمقراطي لا يُقاس بما يطرحه من أفكار جديدة فحسب، بل بقدرته على بناء علاقة حية مع المجتمع، وتحويل المصالح المشتركة إلى وعي وتنظيم وفعل جماعي. فالحامل الاجتماعي ليس مرحلة تأتي بعد اكتمال المشروع، بل أحد الشروط الأساسية لفاعليته. ومن دون هذه الصلة بين الرؤية والقوى القادرة على تبنيها، قد يبقى البرنامج متماسك في أفكاره، لكنه يعجز عن التحول إلى قوة مؤثرة في الواقع. أما بناء هذه الصلة، فهو ما يفتح الطريق أمام انتقال المشروع من تشخيص الأزمة إلى المشاركة في صناعة البديل.
