للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1503)

مقاميون بلا حدود/ 13

عبد القـــادر حســـون قندرجي للنخاع

(1910-1964)

 

ملف خاص عن مطرب المقام العراقي عبد القادر حسون. من كتابي (الطريقة القندرجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في كانون ثاني 2007.

 

 (افي كـل يوم غـربـــة ونـزوح/ اما للـنوى من غــــفلة فتبيــح)

 (لقد طلع .................../ فهل............يبـــــين وهو مليح)

 (الا يا حمام النوح الفـك حاضر/ منصـفك ميال وفيه .......)

 (وذكرني في الحب نوح حمامة/ ونحت والجرح القـديم ينوح)(هامش1)

       هذه الابيات الاربعة من القصيدة المغناة من قبل المطرب المقامي القدير عبد القادر حسون في مقام الاورفة التي نبدأ بها حديثنا عنه. حيث لم استطع تفهم مفردات ابيات القصيدة بصورة تفي بالغرض..! رغم جهودي الكثيرة في كتابة كل الابيات. وهذا ما يدلنا من الوهلة الاولى على اهتمام المغني عبد القادر حسون بالمسارات اللحنية التقليدية اكثر من اهتمامه بتوضيح  مفردات القصيدة..! وهي ظاهرة ادائية موجودة لدى كل او معظم مغني الحقبة ولم تقتصر على اتباع الطريقة القندرجية كما يبدو. واعتقد انها من الاسباب التي لم ارتأي التطرق اليها في هذا الصدد، وهو سبب مضاف إلى الاسباب التي سبق ان تحدثنا بها، هو ان ضعف الثقافة الادبية لدى المغنين بصورة عامة امرا كان يؤدي الى خلق حالة من عدم الاهتمام في توضيح مفردات القصيدة. يقابله اهتماما واضحا بالمسارات اللحنية والتلذذ بتعابيرها الواقعية عن همومهم ومعاناتهم ومشاكلهم الحياتية. اذ يبدو ان المطرب عبد القادر حسون المولود عام 1910 في مدينة البصرة والمتوفى عام 1964 في بغداد. كان  يتلذذ فعلاً في الاعلان من خلال ادائه لمقام الاورفة والمقامات العراقية الاخرى التي خلَّفها لنا مسجلة بصوته المؤثر، بأنه من اتباع الطريقة القندرجية مع سبق الاصرار. فقد تطرَّف في ذلك وكاد يكون مقلدا ببغاويا لاستاذه رشيد القندرجي، وليس لفحوى الطريقة القندرجية بالذات. ومع ذلك فان اتخاذه لهذا النهج في غنائه المقامي، كان اكثر اصالة من آخـرين غيره من المغنين نهجوا نفس هذا الاسلوب.

                                                                                                                                        

           ان لجوء عبد القادر حسون إلى هذا المنحى الاسلوبي واتخاذه منهجا له، والذي اكتشف من خلاله كما يبدو. انه يستطيع ان يعبر عن(الطريقة القندرجية) باسلوبه الخاص هذا وحسب وجهة نظره. أو باسلوب يختلف فيه عن معاصريه من الذين انضموا إلى هذه الطريقة واصبحوا من اتباعها.

 

مقام الجهاركاه

       الظاهر ان هذه الملاحظات وغيرها تستحق الاهتمام والقاء الضوء على شيء من التاريخ الغنائي الفني لمطرب مثل عبد القادر حسون، الذي يذكِّرنا غناؤه بتعابيره المؤثرة بقيم فنية جيدة، يمتلكها مغنون معاصرون له مثل احمد موسى وجميل الاعظمي وعبد الهادي البياتي ويونس يوسف والحاج هاشم الرجب وشهاب الاعظمي وغيرهم. واليك عزيزي القاريء الكريم مقام الجهاركاه بصوت عبد القادر حسون بالقصيدة الشهيرة لشاعر العصور ابو الطيب المتنبي وهذا مطلع القصيدة.

 (مالنا كلنا جو  يا رســـــول/انا اهوى وقلـــــبك المتبول)

 

        ان امثال المطرب عبد القادر حسون من معاصريه، هم كما اشرت، ينتمي معظمهم الى(الطريقة القندرجية) في حقبة النصف الاول من القرن العشرين وما بعدها بقليل. التي ينحدر فيها مغنون كثيرون امتازوا بعدة مقامات عراقية سجلوها باصواتهم في الاذاعة العراقية او في اسطوانات الكرامافون. حيث عبَّروا عنها بخصوصية شخصياتهم رغم انهم استقوا اسلوب ادائهم من الطرق القديمة. كالمقامي جميل البغدادي في مقام المنصوري وهو التلميذ الاصيل للطريقة الزيدانية. والمقامي نجم الشيخلي في مقام السيكاه والمقامي احمد موسى في مقامي العريبون عجم وعرب(سلَّمهما الحجاز والبيات)  والمقامي يوسف كربلائي في مقام البنجكاه(سلَّمه رست، السوزناك) والمقامي عبد الهادي البياتي في مقام البيات. والمقامي يونس يوسف في مقام المخالف. والمقامي عباس كمبير في مقام الخنبات(اصل سلَّمه بيات على درجة الدوكاه ويتنوع مع جنس النهاوند على درجة النوى) والمقامي محمد العاشق في مقام البهيرزاوي(سلَّمه بيات) والمقامي الحاج هاشم الرجب في مقام العجم عشيران والمقامي جميل الاعظمي في مقام الجهاركاه .... الخ

 

مقام الاوج

       لنستمع الآن الى مقام الاوج لعبد القادر حسون المغنى بهذه القصيدة وهي نفس القصيدة ونفس المقام الذي سبق ان غناه استاذه رشيد القندرجي وهذا مطلعها.(هامش2).

(بها غير معذور فداو خــمارها/وصل بعشيات الغبوق ابتكارها)

 

        ان غايات عبد القادر حسون، ان كانت بوعي منه او دون وعي، أو لسان حاله. غايات في الحقيقة اراد فيها ان يعبِّر عن تجربته الخاصة في الحياة. وبصورة تبدو لنا مباشرة من الوهلة الاولى. فسمة الحزن والشجن بادية بصورة واضحة في اسلوبه الادائي. ونجد ذلك في كل مقاماته العراقية التي سجلها والتي كشف فيها عن تجربته ومعاناته الاجتماعية المريرة كما يبدو. باسلوب تعبيري لا يكمن في ادائه للمقامات العراقية فحسب، وانما في المجتمع الذي نشأ فيه. فأصبحت هذه المقامات العراقية وسيلة لكشف العُللْ والمشاكل الاجتماعية الكامنة تحت المظاهر الخارجية. ومما لا شك فيه ان عبد القادر حسون لم يبلغ شهرته هذه من خلال مجتمع متزمت في نقده للاداء الغناقامي(هامش3)، ولم يكن من قبيل المصادفة ايضاً، ان تسجل هذه السنوات الشهرة التي حصل عليها البعض من معاصريه المغنين الذين مر ذكرهم. فشيوع شهرة عبد القادر حسون التي ازدادت بعد تسجيله المقامات العراقية من خلال الاذاعة. يماثل شيوع شهرة معاصريه الجيدين كالمقاميين احمد موسى وجميل الاعظمي وحسن خيوكة وصديقة الملاية وغيرهم. ولا شك في ان الخصائص التي رفعت نتاجات عبد القادر حسون الى مستوى اعمال ونتاجات معاصريه من الجيدين. هي خصائص ما تزال تبدو في ايقاع وموضوعات واساليب افضل مغني الحقبة. ابتداءا من جميل البغدادي مرورا بعباس كمبيرالشيخلي ورشيد القندرجي ونجم الشيخلي ويوسف كربلائي وجميل الاعظمي واحمد موسى .... الخ. وهي خصائص تنجح في الاعم الاغلب كما هو الحال في نتاجات رشيد القندرجي عندما تقترن بمحاولة صادقة في التعبير عن البيئة والمحيط او التعبير عن روح العصر.

 

مقام النوى

       هذا مقام اخر قلَّدَ فيه عبد القادر حسون استاذه رشيد القندرجي. وهو مقام النوى المغنى من كليهما بهذه القصيدة لعبد الله ابن المعتز اليك عزيزي القارئ الكريم مطلعها.

(ومقرطق  يسعى الى الندمــــاء/بعقـــيقة في درة بيضــــاء)

   

           ان المغني المقامي عبد القادر حسون وامثاله من المعاصرين الذين مررنا على ذكر اسمائهم. قد جمعوا في افضل نتاجاتهم، بين غنائهم واسلوبهم وتعبيرهم النافذ عن تعقيدات الحياة العصرية. وهم في اسوأ نتاجاتهم قد فقدوا نواحي فنية يحتاجها الاداء الغنائي الناجح. كالنطق بالكلمات والحروف واحكامها. ولكنهم خدموا هدفا محمودا في مجال محافظتهم على شكل ومضمون الغناء المقامي التقليدي..! وفي مجال التعبير عن مرحلتهم الزمنية. ان مثل هذه المفاهيم على كل حال، تتعلق بالفن بصورة مباشرة. وفي حين يتبارى المؤدون في السباق، نجد ان موضوعات الاداء الغناقامي تختلف بمرور الزمن، إلا أن معالجتها بصورة عامة يجب ان لا تختلف، وقد اصبح في حكم الحقيقة لاغلبية ابناء الجيل الحالي، ان الغناقامي بصورة عامة يمثل وسائله الخاصة في النظر الى مضامين واعماق البيئة.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

هامش1: الابيات الاصلية كالتالي للشاعر عوف ابن محلم الخزاعي.

(أفي كلّ عام غربة ونزوح/أما للنّوى من وثبة فتريح)

 (لقد طلّح البين المشتّ ركائبي/فهل أرينّ البين وهو طليح)

(ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر/وغصنك ميّاد ففيم تنوح)

(وذكرني بالري نوح حمامة/فنحت وذو الشجو الحزين ينوح)

هامش2: القصيدة للشاعر ديك الجن. وقد حدثني استاذي المرحوم شعوبي ابراهيم، ان مقام الاوج لعبد القادر حسون، هو اول مرة يرافق فيها مطرب عازفا على آلة الجوزة. وذلك عام 1951.

هامش3: الغناقامي: اختصارا لمفردتي الغناء المقامي.

 

 

صورة واحدة / مطرب المقام العراقي عبد القادر حسون.