
الاشوريون في التاريخ/ الحلقة 43- الجزء الثاني
يعكوب ابونا
الآشوريون بعد سقوط نينوى؟
إن سقوط نينوى سنة 612 ق.م. كان سقوط عاصمة الدولة الآشورية وانهيار سلطة الدولة بوصفها قوة إمبراطورية. وبقاء السكان في أرضهم، واستمرار ثقافتهم ولغتهم، والحفاظ على هويتهم القومية والسياسية، كلها مؤشرات على استمرار وجودهم.
لقد خضعت بلاد آشور لقوى متعاقبة، لكن المنطقة لم تخلُ من سكانها، ولم تختفِ تقاليدها المحلية. ويمكن تتبّع تاريخ سكانها عبر العهد الفارسي الأخميني، ثم العهدين الهلنستي والفرثي، فالعهد الروماني، وصولًا إلى انتشار المسيحية وتشكّل المجتمعات المسيحية.
أولًا: الآشوريون بعد سقوط نينوى سنة 612 ق.م.
ليس هناك أي دليل على أن الآشوريين انقرضوا بعد سقوط نينوى، أو أنهم رحلوا جميعًا عن بلادهم، أو أنهم أُبيدوا بالكامل، وهذا يدل على أن آشور ظلت معروفة بوصفها منطقة تاريخية وجغرافية..
وهناك من المصادر المهمة لدراسة هذه المرحلة كتابات المؤرخين القدماء، إلى جانب الأدلة الأثرية والنقوش الحجرية
ثانيا: الآشوريون في العصر الفرثي (141 ق.م.–224 م. تقريبًا)
تكتسب هذه المرحلة أهمية كبيرة؛ لأنها شهدت بروز ممالك محلية في شمال بلاد الرافدين، في وقت كانت فيه المنطقة تقع بين القوى الكبرى المتنافسة. إذ امتد نفوذ الفرثيين إلى بلاد الرافدين، لكن حكمهم لم يكن يعني أن جميع المناطق أصبحت خاضعة مباشرة لإدارة مركزية واحدة.
. 1- مملكة حدياب "وفي المصادر اليونانية والرومانية أديا بينة (Adiabene)
من المناطق المهمة في شمال بلاد الرافدين وهي منطقة ارتبطت بمدينة أربيل القديمة، المعروفة في المصادر باسم "أربائلو".
برزت حدياب بوصفها كيانًا سياسيًا محليًا في المراحل المتأخرة من العصر الهلنستي، ثم أصبحت مملكة ذات أهمية في العصر الفرثي..
وتُعد حدياب من أهم الكيانات السياسية المحلية في شمال بلاد الرافدين؛ إذ تمتعت بقدر من الاستقلال السياسي في مراحل من تاريخها، مع وجود علاقات تبعية أو تحالف مع القوى الكبرى، ولا سيما الفرثيين..
وتشير المصادر القديمة إلى أن ملوك حدياب اتخذوا قرارات سياسية ودينية مهمة في سياق علاقاتهم بالإمبراطوريات المحيطة. ومن أشهر ملوكها إيزاتس الثاني، الذي حكم في القرن الأول الميلادي تقريبًا، وارتبط اسمه باعتناق اليهودية، وفقًا لرواية المؤرخ اليهودي الروماني يوسيفوس. وهذا يدل على أن المنطقة كانت تضم جماعات دينية متنوعة، وأن التحولات الدينية فيها سبقت انتشار المسيحية على نطاق واسع.
"وقد خُصص فصل كامل بهذه المرحلة في كتاب الحكم الهلنستي وبابل وآشور، ضمن دليل أكسفورد للشرق الأدنى.
. 2- هل كان سكان حدياب آشوريين؟
كانت حدياب تقع في قلب مناطق ارتبطت تاريخيًا بآشور. وان الموقع الجغرافي والتاريخي للمملكة، يشير الى أن جميع سكانها كانوا يحملون هوية قومية آشورية موحدة..
وواضح من ذلك، احتفظ الأدب السرياني المسيحي، الذي ظهر لاحقًا، بصلات واضحة مع تاريخ المجتمعات المسيحية في شمال بلاد الرافدين وماضي المنطقة الآشوري. وتناقش الدراسات الأكاديمية كيفية توظيف هذا الماضي في تشكيل تصورات الهوية والانتماء لدى المسيحيين الناطقين بالسريانية، وفقًا للتسمية اللغوية المتداولة في الدراسات التاريخية الحديثة. ولذلك، لم تكن الذاكرة الآشورية مجرد موضوع أثري، بل ظلت حاضرة في بعض التقاليد التاريخية والدينية المحلية.
ثالثا: الآشوريون في العصر الروماني (من القرن الأول ق.م. فصاعدًا)
لم تكن بلاد آشور بأكملها جزءًا ثابتًا من الإمبراطورية الرومانية؛ فقد بقيت بلاد الرافدين، ولا سيما مناطقها الشرقية، ساحةً للتنافس بين روما والفرثيين، ثم بين روما والساسانيين بعد سنة 224 م.
رابعا: الآشوريون في العصر الساساني (224–651 م.)
شهد العصر الساساني نمو المؤسسات المسيحية في بلاد الرافدين.
أسقط الساسانيون الدولة الفرثية سنة 224م.، وأسسوا إمبراطورية إيرانية جديدة امتدت على أجزاء واسعة من الشرق الأدنى.. وأصبحت بلاد الرافدين، بما فيها المناطق الشمالية ذات التاريخ الآشوري العريق، جزءًا من المجال السياسي للإمبراطورية الساسانية.. وأصبحت المناطق الآشورية جزءًا من المجال الساساني، مع استمرار التنافس العسكري والسياسي بين الإمبراطوريتين الساسانية والرومانية..
الأدلة على استمرار وجود الآشوريين بعد سقوط نينوى
هناك أكثر من دليل يعزز فرضية استمرار وجود الآشوريين بعد سقوط نينوى، ومن أبرز هذه الأدلة .
. الأدلة الأثرية:1
استمرار الاستيطان في بعض المواقع الآشورية بعد سقوط الدولة.
. الأدلة الكتابية:2
الوثائق الاقتصادية والأسماء الشخصية التي ظهرت بعد سنة 612 ق.م .
. المصادر التاريخية:3
النصوص التاريخية التي تساعد على تتبّع تاريخ سكان المنطقة واستمرار وجودهم..
يذكر ك. ب. ماتفييف، في كتابه عن الآشوريين في الأزمنة المعاصرة، الصفحات 10–12، وكذلك المؤرخ وعالم الآثار الإنجليزي س. لويد، في الصفحة 37، أن وثيقة تعود إلى الملك الفارسي كورش، وصلت إلينا بعد مرور 66 عامًا على سقوط آشور، تشير إلى أن الآشوريين كانوا من بين الأسرى الذين عادوا إلى ديارهم, بعد سنوات من تدمير نينوى، وأسسوا مدينة جديدة في الجهة المقابلة لنهر دجلة، وأطلقوا عليها اسم «ميسييلا»، وفقًا لما ورد في الصفحة 17
الآشوريون في عهد قمبيز وداريوس الأول
بعد وفاة الملك كورش، الذي حكم مناطق من ميديا وبابل وأسس الإمبراطورية الفارسية، تولّى ابنه قمبيز العرش. وخلال فترة حكمه، ساءت أحوال بعض فئات السكان في المناطق الخاضعة للفرس، نتيجة فرض الضرائب المرتفعة والخدمة العسكرية الإلزامية، الأمر الذي أسهم في اندلاع انتفاضات في بعض المناطق.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن بعض الشعوب الخاضعة للحكم الفارسي تعرضت للضرائب الثقيلة والمعاملة القاسية.
وفي هذا السياق، يذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت أن بابل وبقية آشور كانتا من المناطق التي قدمت إيرادات مالية كبيرة. كما يشير إلى أن المنطقة كانت من بين الأقاليم التي فرضت عليها التزامات مالية، وأنها قدمت أعدادًا من الأطفال الأسرى، وفقًا لما ورد في الكتاب الأول، الصفحة 99 "..
ويذكر النص كذلك أن داريوس الأول تعامل بقسوة مع الآشوريين خوفًا من فقدان الإيرادات المالية التي كانت تأتي من بلادهم. كما يتناول النص إعدام أحد القادة الآشوريين الذين ثاروا على الحكم الفارسي، مستندًا إلى إحدى وثائق داريوس.
ذكر الآشوريين في وثائق داريوس الأول
يرد ذكر الآشوريين في وثيقة أخرى لداريوس الأول تتعلق ببناء قصر في مدينة سوسة، وجاء فيها، بحسب الاقتباس الوارد في المرجع:
«حُفرت الأرض بعمق، وصُنع الطوب. نفّذ البابليون هذا العمل، وجُلب الخشب من جبال لبنان، ونقله الآشوريون إلى بابل"..
"النص الأصلي إلى الجزء الأول، الصفحة 90 "..
وتشير الرواية أيضًا إلى وثيقة ثالثة لداريوس الأول، عُثر عليها في قصره بمدينة برسبوليس، ورد فيها ذكر الآشوريين وبلادهم، وفقًا لما أورده المرجع في الصفحة 98.
الآشوريون في كتابات هيرودوت
يُعد هيرودوت، المعروف بلقب «أبي التاريخ»، من المؤرخين اليونانيين الذين تناولوا شعوب الإمبراطورية الفارسية، وقدموا أوصافًا لملابسها وعاداتها وتقاليدها وأعمالها وبعض جوانب حياتها الاجتماعية والقضائية.
وتشير الرواية الواردة في النص إلى أن هيرودوت وصل إلى المنطقة بعد نحو 150 عامًا من سقوط نينوى، ووصف بعض مظاهر حياة الآشوريين. ويصف ملابسهم على النحو الآتي:
«تتدلى الملابس إلى ما فوق القدمين، وتتكون من عباءة صوفية، وفوقها معطف أبيض غير ضيق ولا فضفاض، وينتعلون أحذية صغيرة. أما الشعر، فكان طويلًا ويُربط بشريط، وكان كل فرد يحمل خاتمًا في إصبعه وعصًا مصنوعة بإتقان". المصدر . الكتاب الأول، الصفحة 101
الآشوريون في عهد أحشويروش الأول
تولّى أحشويروش الأول، ابن داريوس الأول، الحكم سنة 486 ق.م.، واستمر في الحكم حتى سنة 465 ق.م.، وكانت سوسة وبرسبوليس من أبرز مراكز الإمبراطورية الفارسية في عهده. وقد اغتيل سنة 465 ق.م.، وخلفه ابنه أرتحشستا الأول.
ونتيجة لاستمرار الحروب مع اليونانيين، استعانت الإمبراطورية الفارسية بالشعوب الخاضعة لسلطتها لتوفير الجنود لجيشها،.
ويشير النص إلى أن الآشوريين كانوا من بين الشعوب التي شاركت في الجيوش الفارسية..
معركة غوغميلا والأرض الآشورية
من أشهر المعارك التي شهدتها المنطقة المواجهة بين جيش الإسكندر المقدوني وجيش الملك الفارسي داريوس الثالث سنة 331 ق.م.، وهي المعركة المعروفة باسم معركة غوغميلا. وقد وقعت بالقرب من أربيل، في منطقة ارتبطت تاريخيًا بآشور، وتُعد من المعارك الحاسمة التي أسهمت في انهيار الإمبراطورية الأخمينية.
ويتناول المؤرخون القدماء هذه المعركة في سياق وصفهم للحملة المقدونية على الإمبراطورية الفارسية، وما رافقها من تحولات سياسية وعسكرية في بلاد الرافدين..
ويذكر النص أن الإسكندر المقدوني، بعد عبوره نهر دجلة واستراحة جيشه، تقدّم داخل بلاد آشور، وكانت الجبال تقع إلى شماله، فيما كان نهر دجلة على يمينه (ص. 109).
واستقبل الآشوريون والبابليون الإسكندر المقدوني بوصفه محررًا لهم، ورسمه الكهنة البابليون ملكًا على بابل (ص. 308). وبعد عودته من حملته على الهند، عمل الإسكندر على بناء أسطول بحري قوي (ص. 279).
واهتم الإسكندر المقدوني بأعمال الري في بلاد ما بين النهرين، واستعان بالآشوريين لتحقيق هذه الغاية..
كما يرد ذكر وجود الآشوريين بعد سقوط الدولة الآشورية لدى المؤرخ سترابون، عندما يصف مدينة آشور، التي يُقال إن سكانها أعادوا إعمارها بعد احتلال كورش لبابل، وأعادوا بناء معابد الإله آشور..
ومن المعروف أن الإله آشور كان الإله الرئيس في الديانة الآشورية القديمة. ويشير النص إلى أن الآشوريين الذين هاجروا، ثم عادوا بعد تحريرهم في عهد كورش، أعادوا بناء مدينة آشور، وازدهرت أحوالهم بفضل اشتغالهم بالزراعة والتجارة ..
وقد أشار المستشرق الفرنسي غاستون ماسبيرو إلى هذه الموضوعات في كتابه تاريخ الشعوب القديمة، الصفحة 676، وفقًا للمرجع الوارد في النص الأصلي..
وعلى الرغم من الحروب والصراعات التي تعرضوا لها، حافظ الآشوريون على وجودهم في المنطقة، واستمرت بعض لغاتهم وعاداتهم وتقاليدهم ومظاهر حضارتهم القديمة عبر العصور..
ومع دخول المسيحية إلى المنطقة، ارتبط التاريخ اللاحق للآشوريين ارتباطًا وثيقًا بالديانة المسيحية. فقد انتشرت التعاليم المسيحية منذ القرن الأول الميلادي في فلسطين وسوريا وبلاد ما بين النهرين وإيران، وهي مناطق عاشت فيها جماعات آشورية وغيرها من الشعوب..
وكانت المجتمعات الآشورية من بين المجتمعات التي اعتنقت المسيحية في مراحلها المبكرة، وأسهمت لاحقًا في نشرها وتطوير تقاليدها الدينية والثقافية.
ومع مرور الزمن، أصبحت المسيحية عنصرًا أساسيًا في الحياة الدينية والثقافية لدى قطاعات واسعة من الآشوريين، واستمرت هذه الصلة عبر القرون، رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة .
والى الحلقة القادمة والحضارة الاشورية . بعون الله ..
يعكوب ابونا ...............16 / 10 / 2026
