
من رحم النضال- للتأريخ /116
د. مزاحم مبارك مال الله
على وجه السرعة أحضرت نموذَجي إجازة احدهما يتبع الاخر، وكان تأريخ النموذج الأول يبدأ ابتداءً من يوم غد....
ما هي الاّ 48 ساعة لأكون مرة ثانية في البيت.
عرفت لغز اللعبة وأستددلت على مفاتيح الأبواب، وأجدت التعامل معها بحيث لم يمضِ أسبوع او اقل لأكون في البيت مرات عدّة.. نعم، مشقة السفر ومذلة الحصول على مواصلات وبذل الجهود في الذهاب والإياب، الاّ أن كل هذه المآسي كانت تتبدد بالعيش في كنف العائلة وأقضي أيامي في حياة مدنية متقطعة.
أستمريت على هذه الحال حتى شهر كانون ثاني 1990، فحين التحاقي بعد أحدى الاجازات أياها، فوجئت أن موقع الفوج شبه مهجور، عرفت من بعض الجنود ان الفوج مشمول بالحركة الى داخل الهور، وأن الآمر والضباط واغلب الجنود قد سبقونا الى هناك، وقال أحدهم:
"دكتور احنا باقين كم واحد ننتظر المجازين حتى كلنا نلتحق"،
كم هو الوقت من هنا الى الهور، سألت سائق الإيفا التي تم تحميلها بما تبقى من موجودات الفوج وكانت بعض خزانات المياه، كراسي وأسرّة أضافة الى ما يعرف بالـ (يطغات) أي الأفرشة ..الخ
- تقريباً ساعتين دكتور
صدمني هذا الجواب.. يعني ساعتين من الطحن الذي يسحق العظام في هذه السيارة المتعبة في درب وعر جداً التي تحولت الأطيان فيه الى صخور طينية تزيد من الصدمات المؤلمة للأنسجة الرخوة وغير الرخوة في الجسم. وسألت:
وماذا عن أغراض العيادة؟
- "راحت بأول درب" دكتور – أجاب السائق
الإيفا تسير وكل هيكلها يترنح بسبب وعورة الطريق وبسبب استهلاك الايفا نفسها، ونحن نتمايل نرتفع ونهبط معها، وفي داخلي اسب وأشتم القائد الأرعن الذي فرط بكل هذه الطاقات والموارد البشرية واللا بشرية من أجل اشباع غروره المريض، ألم تتوقف الحرب؟ اين ذاهب بالعراق هذا المجنون العميل؟"
بعد رحلة مضنية فعلاً وصلنا مع حلول الظلام الى ممر يؤدي الى هور عرفت اسمه لاحقاً باسم هور "ام نعاج".. هذا الممر عبارة عن أرض يابسة تلتحم مع أراضي اليابسة من الجهات كافة الاّ الثغر المؤدي الى مياه الهور..
كان الجو قارص جداً اضطررنا ان نضرم النار بالأطارات المستهلكة والمتناثرة المتبقية ممن سبقونا الى هنا مع جذوع النخيل الجاف وقطع الخشب المتناثرة.. كنا نحرقها لنشعر بالدفء وبقينا متحولقين حول هذه النيران التي اضرمناها حتى الصباح الباكر بأوضاع مختلفة احتارت واحترنا بها، وقوفاً، قرفصاء، جلوس ..الخ
(يتبع)
