
شباب بطبعتين
صالح مهدي محمد
في الشارع نفسه، وتحت الضوء ذاته، يتحرك نموذجان من الشباب، كأنهما يعيشان زمنين مختلفين. الأول يسير وفي يده كتاب، أو أثر كتاب؛ عيناه تحملان تعب السهر الطويل، وأصابعه تحتفظ بشيء من غبار الصفحات، وصوته يميل إلى الأسئلة أكثر من الإجابات. أما الثاني، فيسير بخفة لافتة، وذهنه مشغول بإيقاع سريع يلتقط من العالم ما يلمع، ويترك ما يحتاج إلى إنصات طويل.
الشاب الأول يتعامل مع الثقافة بوصفها رحلة طويلة النفس. يعرف أن الفكرة تنمو ببطء، وأن المعنى يحب الجلوس مع قارئ صبور. يفتح كتابًا كما تُفتح نافذة على مدينة بعيدة؛ يمكث فيها، ويتأمل شوارعها، ويضيع قليلًا، ثم يعود وهو يحمل خريطة جديدة. فالقراءة عنده ليست هواية عابرة، بل عادة يومية تشبه شرب الماء، وممارسة مستمرة للبحث والتأمل، تقترن بمتابعة ما يُكتب ويُقال، ورغبة دائمة في الفهم قبل إصدار الأحكام.
أما الشاب الثاني، الذي يفوق الأول عددًا ويضاهيه حضورًا في المشهد اليومي، فيدير يومه بخفة محترفة. يلتقط جملة لامعة، ويمر على فكرة سريعة، ويضحك من مقطع قصير، ثم ينتقل إلى ما يليه. ذاكرته مليئة باللقطات، وخبرته في التنقل بين الموضوعات تثير الإعجاب. يعرف كيف يواكب كل جديد، ويجيد الحديث عن أشياء كثيرة، بقدر ما تسمح به الدقيقة الواحدة. الثقافة هنا تأخذ شكل الوجبة الخفيفة: جاهزة، سريعة، وتمنح شعورًا فوريًا بالامتلاء، حتى وإن لم تترك في الذاكرة ما يكفي من الأثر.
في المقهى، يظهر الفرق بوضوح. الأول يفتح نقاشًا حول كتاب أو فكرة، ويبطئ الحديث، ويمنح الكلمات وزنها، ويترك مسافة للتأمل. أما الثاني، فيملأ الطاولة بحكايات سريعة، وتعليقات لامعة، وملاحظات خاطفة عن كل ما مر أمامه خلال اليوم. وبينما يحاول الأول أن يمنح الحديث عمقًا يتجاوز لحظته، يسعى الثاني إلى إبقائه متدفقًا، متجددًا، ومفعمًا بما يستدعي الضحك أو الدهشة. والمفارقة أن كليهما يشعر بالانشغال؛ الأول منشغل بما يقرأ ويبحث ويتابع، والثاني منشغل بما يمر أمامه من صور وأفكار عابرة. اتجاهان مزدحمان، لكن بطبيعتين مختلفتين: أحدهما يراكم معرفة، والآخر يراكم لحظات.
وحين يصل الحديث إلى «الرأي»، يتقدم النموذجان بثقة. الأول يبنيه ببطء، ويختبره، ويراجعه، ثم يقدمه بوصفه وجهة نظر قابلة للنقاش والتعديل. أما الثاني، فيقدمه جاهزًا، مصقولًا بإيقاع سريع، ومدعومًا بخفة ظل تجعله مقنعًا في لحظته. ولكل منهما طريقته في التعبير، ولكل رأي جمهوره؛ فليس كل ما يُقال بعمق يصل إلى الجميع، ولا كل ما يلقى رواجًا يستند بالضرورة إلى معرفة راسخة.
واللافت أن حضور النموذج الأول يشبه حجرًا صغيرًا يُلقى في ماء راكد؛ يثير دوائر من الأسئلة، ويبطئ الإيقاع قليلًا، ويمنح الفكرة فرصة للظهور. أما النموذج الثاني، فيحافظ على سرعة المشهد، ويضمن استمرار الحركة، ويمنح اليوم نكهته الخفيفة. وبين العمق والسرعة تتبلورملامح ثقافة معاصرة تتنازعها حاجتان: حاجة إلى التوقف من أجل الفهم، وحاجة إلى الحركة من أجل مواكبة عالم لا يكف عن إنتاج الجديد.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الاختلاف بين النموذجين إلى حكم قاطع على جيل كامل؛ فليس كل قارئ عميق بعيدًا عن الحياة، وليس كل متابع سريع سطحيًا بالضرورة. قد يختبئ خلف الشاشة عقل يقظ، كما قد يستقر خلف صفحات الكتاب وهمٌ بالمعرفة. ليست المسألة في الوسيلة وحدها، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع ما نقرأ ونشاهد، وفي قدرتنا على تحويل المعلومة إلى فهم، والفكرة إلى موقف، والمعرفة إلى وعي.
وبين هذا وذاك، تستمر الحكاية: شباب يقرأ ليبني، وشباب يمر ليواكب؛ ثقافة تنمو على مهل، وأخرى تلمع بسرعة. وربما، في لحظة هادئة، يجلس أحد أبناء النموذج الثاني مع فكرة أطول من المعتاد، فيكتشف لذة مختلفة؛ لذة البقاء قليلًا مع المعنى، ومقاومة الرغبة في الانتقال السريع، واكتشاف أن بعض الأفكار لا تمنح أسرارها لمن يمر بها، بل لمن يصبر على مرافقتها.
إلى أن يحدث ذلك، يبقى المشهد مفتوحًا: كتاب تُقلَّب صفحاته على مهل، وضحكة سريعة تعبر، وبينهما جيل يكتب قصته بطريقتين، فيما تظل الثقافة الحقيقية أوسع من أن تختصرها طبعة واحدة، وأعمق من أن تُقاس بسرعة الوصول إلى المعلومة؛ فهي لا تتعلق بكمية ما نعرف فحسب، بل بمقدار ما يتركه هذا الذي نعرفه في وعينا، وفي نظرتنا إلى أنفسنا والعالم
