للذهاب الى صفحة الكاتب   

الترامبية وجذورها!

د. آدم عربي

 

 

لم يولد دونالد ترامب في فراغ سياسي، ولم تهبط الترامبية على الولايات المتحدة فجأة كما لو أنها حادثة عابرة في تاريخها السياسي. فقد كان وراء صعودها تاريخ طويل من التحولات التي أعادت تشكيل موقع الولايات المتحدة في العالم، كما أعادت تشكيل علاقة الأمريكيين بأنفسهم وبمؤسساتهم وبفكرة الدور الذي ينبغي لبلادهم أن تؤديه خارج حدودها.

ولذلك فإن اختزال الترامبية في شخصية ترامب، أو في أسلوبه الخطابي الصدامي، أو في شعبويته، يحجب جانبا مهما من حقيقتها. فترامب لم يصنع وحده البيئة التي صعد فيها؛ وإنما التقط لحظة كانت قد نضجت فيها مجموعة من الأزمات، ثم منحها لغة سياسية وشعارا قادرا على اختزالها: أمريكا أولا.

 

ولفهم هذه اللحظة لا بد من العودة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية في موقع لم تصل إليه قوة أخرى في التاريخ الحديث بسهولة. لم يكن انتصارها عسكريا فقط، بل ارتبط ببناء نظام اقتصادي ومؤسسات دولية وتحالفات سياسية وعسكرية جعلت واشنطن في قلب النظام العالمي الجديد.

ثم جاءت الحرب الباردة لتمنح هذا الدور إطارا استراتيجيا واضحا. كان العالم منقسما بين قوتين عظميين، وكانت الولايات المتحدة ترى أن احتواء الاتحاد السوفياتي ومنع تمدده جزء من أمنها القومي ومصالحها العالمية.

لكن انهيار الاتحاد السوفياتي أنهى الثنائية القطبية، ولم ينتج فورا نظاما متعدد الأقطاب. بل بدا أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في وضع استثنائي: قوة عسكرية واقتصادية وسياسية لا يواجهها منافس مماثل.

ومن هنا بدأت مرحلة يمكن وصفها بـاللحظة الأحادية.

وفي التسعينيات بدا لكثير من المفكرين والسياسيين أن النظام العالمي يتجه إلى ترسيخ النموذج الليبرالي الغربي، وأن الولايات المتحدة ستظل مركزه السياسي والعسكري والاقتصادي لفترة طويلة.

لكن التاريخ لا يحب الاستقرار الطويل.

  

مع بداية القرن الحادي والعشرين، أخذت ملامح مختلفة تظهر في النظام الدولي.

الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل بدأت تتحول إلى منافس شامل يمتلك إمكانات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية متنامية.

وروسيا، بعد سنوات من الضعف والاضطراب عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، بدأت في عهد فلاديمير بوتين استعادة جزء من قدرتها على الحركة والتأثير، خصوصا في محيطها الجغرافي وفي ملفات الأمن والطاقة والصراعات الإقليمية.

أما أوروبا، فقد أصبحت مركزا اقتصاديا وسياسيا لا يمكن تجاهله رغم هشاشته الآن، حتى مع استمرار اعتمادها الأمني الكبير على الولايات المتحدة.

وهكذا بدأ العالم ينتقل تدريجيا من مرحلة كانت فيها القوة الأمريكية تبدو شبه منفردة، إلى مرحلة تتوزع فيها القوة على مراكز متعددة، وإن لم تكن هذه المراكز متساوية في قوتها ولا متفقة في أهدافها.

وهذه النقطة أساسية.

فالمشكلة التي واجهتها واشنطن لم تكن أن قوة جديدة استولت فجأة على مكانها، بل أن إدارة عالم متعدد المصالح أصبحت أصعب من إدارة عالم كانت فيه الولايات المتحدة تملك هامش حركة أوسع بكثير.

  

في هذا السياق جاءت إدارة باراك أوباما.

وقد وصفت سياستها الخارجية بأوصاف قاسية: التردد، والضعف، والانكفاء، والتراجع أمام روسيا وإيران، وعدم الحزم.

وكانت أزمة القرم والحرب في شرق أوكرانيا من أبرز الأمثلة التي استخدمها منتقدو أوباما لتأكيد هذه الصورة.

لكن قراءة أكثر هدوءا تسمح بسؤال آخر:

هل كان ما جرى تراجعا أمريكيا حقيقيا، أم إعادة حساب لكلفة استخدام القوة؟

فالولايات المتحدة لم تخرج من العالم، ولم تتخل عن تحالفاتها، ولم تفقد أدواتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. لكنها واجهت عالما أصبحت فيه التدخلات العسكرية أكثر كلفة، وأصبحت نتائجها أقل قابلية للتحكم.

كانت تجربة العراق وأفغانستان حاضرة بقوة، وكانت الولايات المتحدة قد دفعت أثمانا سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة مقابل حروب لم تحقق بالضرورة النتائج التي توقعتها واشنطن في بداياتها.

لذلك فإن التراجع قد يكون وصفا مضللا إذا فُهم على أنه فقدان للقوة.

الأدق ربما أن نقول إن واشنطن كانت تعيد التفكير في كيفية استخدام القوة، ومتى تستخدمها، ومن يدفع تكلفتها.

وهذه النقطة ستصبح لاحقا واحدة من مفاتيح فهم ترامب.

   

عندما تتراجع قوة كبرى عن بعض الساحات، فإن الفراغ لا يبقى فارغا.

تدخل قوى أخرى.

وهذا ما حدث في مناطق متعددة من العالم بدرجات مختلفة. فكل تراجع أمريكي نسبي كان يفتح مجالا أمام روسيا أو الصين أو القوى الإقليمية لإعادة ترتيب حساباتها.

ومن هنا ظهرت فكرة الفراغ الاستراتيجي.

لكن من الخطأ تحويل كل فراغ إلى مؤامرة مكتملة الأركان.

قد تتعمد دولة كبرى أحيانا تقليل وجودها في منطقة ما لأنها ترى أن تكلفة البقاء أصبحت أعلى من فائدته، وقد تستفيد لاحقا من نتائج ذلك التراجع، لكن هذا لا يعني أن كل حرب نشبت بعد ذلك كانت جزءا من خطة سرية واحدة.

فالسياسة الدولية ليست مسرحا تتحرك فيه شخصية واحدة، بينما يؤدي الآخرون أدوارا مكتوبة سلفا.

هناك دول لها مصالحها، وشعوب لها إراداتها، وحسابات خاطئة، وأزمات محلية، وصراعات قومية ودينية، وأسواق، وموارد، وتحالفات، وردود أفعال غير متوقعة.

وهذا يجعل العالم أكثر فوضى مما تسمح به نظريات المؤامرة الشاملة.

لكن الفوضى نفسها يمكن أن تخدم بعض القوى، كما يمكن أن تضرها.

وهنا يبدأ السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع الولايات المتحدة تحويل الفوضى الدولية إلى فرصة جديدة لاستعادة التفوق؟

 

لا يمكن تجاهل حقيقة تاريخية أساسية: الحرب العالمية الثانية غيّرت موقع الولايات المتحدة في العالم ولعل تلك الكتلة المايية الضخمة هي التي درات عنها التدمير .

ومن الطبيعي أن تحتفظ الدولة التي خرجت من تلك الحرب قوة عظمى بذاكرة استراتيجية ترى في الأزمات الكبرى فرصا لإعادة تشكيل النظام الدولي.

لكن القول إن الحرب صنعت القوة الأمريكية لا يعني أن الولايات المتحدة تسعى بالضرورة إلى صناعة حرب عالمية جديدة.

وهنا يجب التمييز بين أمرين:

الدولة التي تستفيد من الحرب، والدولة التي تصنع الحرب من أجل الاستفادة منها.

الأول حدث تاريخيا في حالات كثيرة.

أما الثاني فهو ادعاء يحتاج إلى أدلة.

وقد تكون الصناعة العسكرية الأمريكية من أكبر المستفيدين من ارتفاع الإنفاق العسكري، وقد تستفيد الولايات المتحدة اقتصاديا واستراتيجيا من بعض الأزمات، لكن ذلك وحده لا يكفي لإثبات أنها صنعت تلك الأزمات من أجل هذه الغاية.

بل إن الحروب يمكن أن تكون في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر استنزاف، وأن تمنح الدولة نفوذا في منطقة بينما تخلق لها أعباء في منطقة أخرى.

والقوة العظمى لا تتحكم دائما في النتائج التي تنتجها قراراتها.

صعود روسيا والصين... نهاية العالم القديم؟

في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تعيد حساباتها، كانت موسكو وبكين تعيدان حساباتهما أيضا.

روسيا لم تعد راغبة في التعامل مع نفسها كدولة خرجت من الحرب الباردة مهزومة إلى الأبد، والصين لم تعد ترى نفسها قوة إقليمية صاعدة فحسب.

لقد بدأ العالم يدخل مرحلة جديدة من المنافسة على النفوذ والتكنولوجيا والأسواق والطاقة والممرات البحرية وموازين الأمن.

ولذلك أصبحت القرم وأوكرانيا وسوريا وبحر الصين الجنوبي وغيرها من الملفات ساحات تتقاطع فيها المصالح الكبرى.

لكن هذه الملفات لا يمكن جمعها في نظرية واحدة بسهولة.

فالصراع بين روسيا والغرب له منطقه الخاص، والتنافس الأمريكي الصيني له منطقه الخاص، والمصالح الأوروبية ليست مطابقة للمصالح الأمريكية، كما أن القوى الإقليمية ليست مجرد أدوات في أيدي القوى الكبرى.

العالم الجديد أكثر تعقيدا من عالم الحرب الباردة.

وهذا التعقيد هو أحد الأسباب التي جعلت الأمريكيين أنفسهم يعيدون طرح السؤال:

ما الذي نريده من العالم، وماذا نريد من أمريكا؟

  

هنا نصل إلى الجزء الذي لا يمكن لأي تفسير للترامبية أن يتجاهله.

فأزمة الولايات المتحدة لم تكن خارجية فقط.

داخل المجتمع الأمريكي كانت العولمة تعيد توزيع الثروة والعمل، وكانت قطاعات صناعية ومناطق بأكملها تشعر بأنها دفعت ثمن التحولات الاقتصادية أكثر مما استفادت منها.

وكانت الهجرة، والهوية، والتغير الثقافي، والتفاوت الاقتصادي، ودور الدولة، ومستقبل الطبقة الوسطى، كلها تتحول إلى قضايا سياسية حادة.

ثم جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتعمق الإحساس لدى قطاعات من الأمريكيين بأن النظام الذي تديره النخب السياسية والاقتصادية لم يعد يعمل لصالحهم.

وفي الخارج كانت حروب العراق وأفغانستان قد تركت سؤالا ثقيلا حول كلفة التدخل الأمريكي وحدود القدرة على تغيير المجتمعات بالقوة.

هنا التقت أزمتان:

أزمة الدور الأمريكي في العالم، وأزمة الثقة بالنظام الأمريكي في الداخل.

ومن هذه النقطة بدأت الأرض التي ستقف عليها الترامبية في التشكل.

أمريكا أولا

لم تكن أمريكا أولا مجرد عبارة انتخابية.

كانت تعبيرا عن إعادة ترتيب للأولويات.

الحلفاء يجب أن يدفعوا أكثر.

الاتفاقيات التجارية يجب إعادة النظر فيها.

الحدود يجب أن تكون أكثر صرامة.

الهجرة يجب أن تُعامل باعتبارها قضية أمن وهوية.

الصين يجب التعامل معها باعتبارها منافسا حقيقيا.

والولايات المتحدة لا ينبغي أن تتحمل وحدها تكلفة نظام دولي تستفيد منه دول أخرى.

قد يختلف الأمريكيون جذريا حول هذه الرؤية، لكن المهم أنها لم تأتِ من فراغ.

لقد وجدت في المجتمع الأمريكي مشاعر كانت موجودة قبل ترامب، ثم جاء ترامب وحولها إلى خطاب سياسي شديد الوضوح.

وهنا تكمن إحدى خصائص الترامبية: أنها لم تكن مجرد سياسة خارجية، بل كانت إعادة تعريف للعلاقة بين الداخل والخارج.

فالعالم بالنسبة إلى ترامب لم يعد مجالا مجردا لنشر القيم الأمريكية، وإنما ساحة تنافس يجب أن تُقاس فيها العلاقات بالمصلحة المباشرة.

  

في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بدت العولمة وكأنها قدر تاريخي لا رجعة فيه.

لكن الأزمة المالية، والتفاوت الاقتصادي، والتحولات الصناعية، وتدفق الهجرة، وصعود الصين، كلها جعلت قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية تعيد النظر في هذا الاعتقاد.

وهكذا بدأت القومية الاقتصادية والسياسية تستعيد حضورها.

والترامبية كانت إحدى أكثر التعبيرات وضوحا عن هذا التحول داخل الولايات المتحدة.

فهي لا تقول بالضرورة إن أمريكا يجب أن تنسحب من العالم، بل تقول إن أمريكا يجب أن تدخل العالم بشروطها هي.

وهذا فارق مهم.

فالترامبية ليست عزلة كاملة، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة لتحويل القوة الأمريكية من قيادة النظام إلى التفاوض على شروط النظام.

إنها تقول للحلفاء والمنافسين معا : القوة الأمريكية موجودة، لكنها لن تُستخدم بالطريقة نفسها التي كانت تستخدم بها في العقود السابقة.

هل الترامبية نتيجة أزمة الهيمنة؟

ربما يكون من الأدق القول إن الترامبية ولدت من تقاطع عدة أزمات، لا من سبب واحد.

فهي نتيجة جزئية لأزمة النظام الأحادي، وجزء من رد الفعل على العولمة، وتعبير عن صعود القومية، ونتاج لضعف الثقة بالمؤسسات، وانعكاس للتحولات الديموغرافية والثقافية، وتأثر بتجارب الحروب الخارجية، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى المنافسة.

ترامب لم يصنع هذه العوامل.

لكنه عرف كيف يجمعها في خطاب سياسي واحد.

وهنا يصبح فهم الترامبية أكثر إثارة للاهتمام من مجرد السؤال عما إذا كان ترامب ظاهرة استثنائية.

فالرجل قد يكون عابرا، لكن الشروط التي أنتجت ظاهرة ترامب يمكن أن تبقى.

 

ربما يكون العالم قد خرج بالفعل من العصر الذي كانت فيه الولايات المتحدة تستطيع أن تتصرف كما لو أن مصالحها هي التي تحدد وحدها اتجاه النظام الدولي.

لكن ذلك لا يعني أن عصر أمريكا انتهى.

كما أن صعود الصين لا يعني تلقائيا انتقال العالم إلى قيادة صينية، وعودة روسيا لا تعني عودة الاتحاد السوفياتي، وتراجع الانخراط الأمريكي في بعض الملفات لا يعني بالضرورة عزلة أمريكية كاملة.

ما يحدث أقرب إلى إعادة تفاوض تاريخية على القوة والنفوذ.

وهنا يمكن فهم الترامبية باعتبارها أحد التعبيرات السياسية عن هذه المرحلة الانتقالية.

إنها محاولة أمريكية للبحث عن صيغة جديدة للقوة: أقل اعتمادا على الالتزامات المفتوحة، وأكثر اعتمادا على القوة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والعسكرية، وأكثر تشددا في مطالبة الحلفاء بالمقابل، وأكثر صراحة في النظر إلى الصين وروسيا باعتبارهما جزءا من التحدي الاستراتيجي.

لكن نجاح هذه الصيغة أو فشلها ليس أمرا محسوما.

فالعالم الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم ليس العالم الذي خرج من الحرب العالمية الثانية، ولا العالم الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي.

إنه عالم متعدد مراكز القوة، متداخل المصالح، سريع التغير، لا يستطيع فيه طرف واحد أن يكتب السيناريو كاملا.

ومن هنا جاءت الترامبية.

لا بوصفها مؤامرة أمريكية كبرى، ولا بوصفها حادثا شخصيا صنعه رجل واحد، وإنما بوصفها نتاجا سياسيا لمرحلة تاريخية اهتزت فيها صورة أمريكا عن نفسها، كما اهتزت صورتها في العالم.

لقد كان السؤال في السابق:

كيف تقود أمريكا العالم؟

أما السؤال الذي ولد مع الترامبية فأصبح:

هل ما زالت أمريكا تريد قيادة العالم بالطريقة التي قادته بها من قبل؟ وإذا كانت تريد الاستمرار في موقع القوة الأولى، فما الثمن الذي تقبل بدفعه، ومن الذي تريد أن يدفع معها؟

وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال أهم من ترامب نفسه؛ لأنها ستحدد ليس فقط مستقبل الترامبية، وإنما شكل النظام الدولي الذي ستعيش فيه أمريكا والعالم خلال العقود المقبلة.