للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال- للتأريخ /119

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

عرفت لاحقاً ان التهلة عبارة عن مجموعة كبيرة جداً من جذور نبات القصب متشابكة مع بعضها لتشكل اساساً طبيعياً لمواضع سنعيش عليها داخل الهور، تقابلها على اليابسة الأرض التي تبنى عليها البيوت.. ولكن البيوت هنا من قصب.

 

الوقت يمضي والشختور يترنح، رأيت بقايا معدات عسكرية هنا وهناك، الطوافات والعوامات، اسلاك اتصالات، أبلام ومشاحيف متروكة.

نادر ما كنت اشاهد ناس مدنيين وعلى مسافة ليست قريبة لمحت مجموعة بشرية انغمزت بالقرب منها بضع رؤوس من الجاموس.

كان هؤلاء الناس قد شيدوا غرف القصب (بيوتهم)، هناك تنور وبعض الحيوانات الداجنة كالكلاب إضافة الى طيور البط.

بين ممر واخر كانت هناك علامات دلالة والتي لم يكن لدليلنا المتمكن خضر بحاجة اليها.

 

بعد مضي ما يقارب الساعتين على بداية خوضنا في الهور وعلى حين غرة اطفىء خضر محرك الشختور، ايذاناً بوصولنا الى مقر الفوج الذي سبقنا اليه عدد غير قليل من الجنود واتموا بنائه على احدى التهلات في عمق الهور.

مقر الفوج يتم اختياره على وفق سياقات عسكرية مدروسة ليس لي فيها أي شأن.

 

من خلال سير الأحداث وأحاديث المنتسبين بما فيهم الآمر ونحن في حضن الشختور، ومن ثم وصولنا حيث أخرس خضر صوت المحرك، صار عندي تصور أن هؤلاء الناس سبق لهم أن كانوا هنا في الآهوار، ولكن متى كانوا هنا، ومتى خرجوا الى اليابسة، ولماذا، وما الداعي لأعادتهم حيث نهاية كوكب الأرض؟ أسئلة دارت في تلافيف مخي ولكن لم اعرها أهمية وحتى لم أحاول ان اترجمها على شفاهي فالحذر في الكلام بالعسكرية أمر ملح جداً.

 

حينما حطت رحال الشختور والذي تبعته (شخاتير) أخرى وعلى امتانها بقايا الفوج بالتتابع، عند التهلة، لاحظت ان الجنود قد شيدوا الغرف بمهارة محترف، أو لربما ان بعضاً منها كانت مشيدة ومتروكة الأن، غرفة للآمر، غرف الضباط وكانت عدة غرف مشتركة فيما بينهم، وغرفة أخرى أحداهن كانت من نصيبي ومعاون الصيدلي ومعاون الطبيب، وضعنا فيها الأدوية والعلاجات التي كانت في داخل خزانات خشبية محكمة.

 

بدا لي الزمن موحش جداً، فنحن في عمق الهور، لا يمكنني أتخيل أين نحن على خارطة الكرة الأرضية ولكن بمقارنة مضحكة تخيلت اننا اشبه بهبوط الانسان على سطح القمر بمركبة ابولو واننا في احدى فجوات براكين احد الكواكب او في باطن تلك الحفرة الناتجة عن سقوط النيازك على سطح القمر.

-   يتبع –