
ايران بين مسحة المرضى الروسية وتلقين الشهادة الباكستانية
د. رياض السندي
دكتوراه في القانون الدولي
لماذا تظهر روسيا في اللحظات الأخيرة قبل إسقاط الولايات المتحدة الأميركية لدولة معينة؟ هل يقصد بذلك تنبيه الدولة وتحذيرها إلى المخاطر الجسيمة المقبلة، أم لتبرير تنازل روسيا عنها إلى أمريكا، أو بيعها ومقايضتها مقابل مصالحها الدولية الخاصة، أم بقصد إعطاءها المسحة الأخيرة المقدسة بالزيت قبل الموت، والمعروفة في المسيحية بمسحة المرضى (Anointing of the Sick) أو المشرفين على الموت؟ هذا ما حدث مع العراق، فقد زار وزير الخارجية الروسي آنذاك يفغيني بريماكوف العراق مطلع عام 2003، وطلب الحديث الى رئيس العراق آنذاك صدام حسين بشكل منفرد، فما الذي قاله له؟
ودون الدخول في اسرار اللقاء، فمن المؤكد انه قد نقل له رسالة من القيادة الروسية تحذره من ان امريكا لا تمزح معه، وان نواياها ابعد مما يتصور، وان مخططاتها كبيرة وستحاول العراق إلى المنطقة بأسرها. وان أنظمة الحكم في الشرق الأوسط لا تفهم نوايا امريكا الخفية كما تفهم روسيا، وقدم نصيحة مختصرة لصدام حسين شخصيا، مكونة من ثلاث كلمات هي: (أخرج من الكويت). ستتكرر لاحقاً مع ايران كما سنرى فيما بعد. وهي نصيحة الثلاث كلمات.
ومع ان كل هذه التحذيرات لم تجد صدى لدى القيادة العراق، وان المريض المشرف على الموت يصعب عليه التركيز في اللحظات الأخيرة، وبالفعل مات بعدها بأيام. وكانت روسيا تمر بظروف اقتصادية وديون ثقيلة، ولم تكن راغبة في الدخول بمواجهة حادة ومباشرة مع الولايات المتحدة من أجل نظام صدام حسين. وعلى الرغم مما قاله وزير الخارجية العراقي الأسبق طارق عزيز من ان روسيا باعت العراق لأمريكا مقابل صفقة من عدة مليارات من الدولارات، فإن ما عبر عنه طارق عزيز في مذكراته أو تصريحاته كان يعكس شعوراً عميقاً بالخذلان والمرارة من الموقف الدولي، واعتباره أن القوى الكبرى (ومنها روسيا) تركت العراق يواجه مصيره بمفرده أو أبرمت تفاهمات ضمنية أو تركت الغزو يمضي دون صد حقيقي. والواقع لم يكن الأمر "بيعاً" بالمعنى الحرفي، بل هو تباين في المصالح؛ حيث فضّلت موسكو عدم تكسير الجرة كلياً مع واشنطن، والاكتفاء بالاعتراض الدبلوماسي لحفظ ماء الوجه وضمان الحفاظ على عقودها النفطية وديونها المستقبلية في العراق الجديد.
واليوم، يتكرر نفس السيناريو مع ايران، ونظام الجمهورية الإسلامية المشرفة على الموت، بعد مقتل مرشدها الأعلى علي خامنئي، واختفاء المرشد الخلف ابنه مجتبى، زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران يوم الاثنين 19 اكتوبر 2026، والتقى بالرئيس الإيراني بزيشكيان ووزير خارجيتها عراقچي، وبالتأكيد نقل لهم مخاطر وتبعات الضربة الأمريكية- الاسرائيلية القادمة، وطلب منهم طلباّ مختصراّ -كما حدث مع العراق- وهو (افتحوا مضيق هرمز).
إلا ان القيادة الإيرانية ردت على الطلب الروسي- على غرار الشروط العراقية- بشروط صعبة لا تتناسب مع وضعها الدولي والداخلي، مثل وقف الحرب نهائياً، وسحب امريكا لقواتها من المنطقة، وإطلاق الولايات المتحدة لارصدتها المجمدة لديها، وتقديم تعويضات عن أضرار الحرب.
ويآتي الدور الباكستاني في الأزمة بين ايران وأمريكا، وهو مختلف عن الدور الروسي في أن ما يجمع بين باكستان وايران غير موجود بين روسيا وايران، فباكستان وايران تجمعهما رابطة الدين الإسلامي، لذا تسعى باكستان وانطلاقاً من دورها الديني، ان تجنب ايران الإسلامية انهيارها وسقوطها لان ذلك يعني انهيار الإسلام الديني والإسلام السياسي. لذا فقد لعبت طيلة الأشهر الماضية دور الوسيط لنزع فتيل الأزمة، ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل بسبب العناد الإيراني والتعنت الفارسي. وتوقفت محاولاتها التفاوضية عند اصطدامها بموقف ايران عند قصفها للسعودية حيث قبلة المسلمين ومسرى النبي محمد. وعادت لتقف مع السعودية وتستنكر ما حصل، وذهبت ابعد من ذلك إلى عقد حلف مكة الثلاثي بين أقوى الدول الإسلامية في المنطقة، إلا وهي السعودية وباكستان وتركيا. واخيراً، اقتنعت تماما أنه لا يجوز الجمع بين الإسلام الفارسي والإسلام العربي.
ومع ذلك، أخذت باكستان تلعب دور الملقن على الفارسي المشرف على الموت، وهذا ما دفع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني "محسن رضائي" إلى أن يرفض لقاء قائد الجيش الباكستاني "عاصم منير" بعد وصولة إلى طهران يوم أمس، ووفق ما نقلته مواقع إيرانية عن الصحافة الباكستانية بأن زيارة قائد الجيش الباكستاني تأتي لإبلاغ كبار المسؤولين في إيران بالتحذير الأمريكي الأخير قبل إندلاع الحرب. فهل جاء المندوب الباكستاني ليلقن ايران الشهادة قبل الموت؟
إن عقلية المشرف على الموت تختلف بالتأكيد عن عقلية الإنسان في الوضع الطبيعي، ولكن يبقى المرض الجوهري والخطأ القاتل المتكرر في حالتي العراق وايران، إلا وهو (التعنت)، وهو الذي اصاب القيادتين في مقتل.، وقاد إلى سقوط دولة العراق، وبالتأكيد سيقود إلى سقوط إيران قريباً جداً.
د. رياض السندي
دكتوراه في القانون الدولي
21 تشرين الاول/ اكتوبر 2026
