
شخابيط ذات معنى: هل لكل إنسان إلهه الخاص؟
سؤال يهز أعماق الإيمان والوعي
د. عامر ملوكا
هناك أسئلة لا تأتي لكي نجد لها إجابة سريعة، بل لكي تجعلنا نتوقف أمام أنفسنا ونسأل: كيف تشكلت أفكارنا؟ ولماذا نؤمن بما نؤمن به؟ وهل ما نعتقده اليوم هو نتيجة بحث ووعي واختيار، أم أن جزءا كبيرا منه تشكل بفعل البيئة التي ولدنا فيها، والأسرة التي تربينا بينها، والمجتمع الذي عشنا فيه؟
ومن بين هذه الأسئلة يبرز سؤال فلسفي عميق: هل لكل إنسان رب خاص به؟
لا أقصد أن لكل إنسان إلها مختلفا عن الآخر، وإنما أقصد صورة الله ومفهومه داخل عقل الإنسان وقلبه. فقد يكون الله واحدا، لكن فهم الإنسان له يختلف من شخص إلى آخر، ويتغير مع العمر والمعرفة والتجربة والنضج والوعي.
فالإنسان لا يولد وهو يحمل تصورا دينيا أو فلسفيا مكتمل العناصر. يولد طفلا لا يعرف معنى الله أو الدين أو الإلحاد، ثم تبدأ البيئة المحيطة به في تشكيل وعيه تدريجيا. يسمع من والديه، ويتعلم من المدرسة، ويتأثر بالمجتمع والثقافة، ثم تأتي تجاربه الشخصية لتضيف طبقات جديدة إلى شخصيته ومعتقداته.
وهنا تبدأ الفروقات بين إنسان وآخر.
قد يولد طفل في عائلة مسيحية، فيتعلم منذ صغره الصلاة والكتاب المقدس والذهاب إلى الكنيسة، وينشأ وهو يرى الله أبا محبا ورحيما. بينما يولد طفل آخر في بيئة دينية مختلفة، فيتعلم مفهوما آخر عن الله والدين. وقد يولد ثالث في عائلة لا تؤمن بالدين، فيكبر وهو يرى أن العالم يمكن تفسيره بعيدا عن فكرة الإله.
وهذا يطرح سؤالا مهما: لو تغيرت بيئة الإنسان منذ ولادته، هل كانت ستتغير قناعاته؟
ربما ليس دائما، لكنها في كثير من الأحيان تؤثر بصورة عميقة.
فالأسرة هي أول مصدر للمعنى. ومن خلالها يتعلم الطفل الخير والشر، والصواب والخطأ، وما هو مقدس وما هو عادي. لكن تأثير الأسرة لا يتوقف عند الكلمات، بل يظهر أيضا في السلوك. فالطفل الذي يسمع عن الله المحبة، لكنه يرى في بيته العنف والقسوة، قد تتكون لديه صورة مختلفة عن الله. أما الطفل الذي يعيش وسط التسامح والرحمة والعطاء، فقد يرتبط مفهوم الله عنده بالمحبة والسلام.
وهنا نكتشف أن الإنسان لا يتعلم الله من الكتب فقط، بل يتعلمه أيضا من البشر الذين يقدمون له صورة عنه.
ثم يأتي دور المجتمع والثقافة. فاللغة والعادات والتقاليد والموروثات والطقوس والمؤسسات الدينية، كلها تؤثر في طريقة تفكير الإنسان، وقد تجعل بعض الأفكار تبدو له طبيعية ومسلمات لا تحتاج إلى سؤال.
لكن الإنسان عندما يكبر لا يبقى بالضرورة أسيرا لما ورثه. هنا يظهر دور التعليم والمعرفة والوعي.
قد يبدأ الإنسان حياته مؤمنا بطريقة بسيطة وموروثة، ثم يقرأ في الفلسفة والعلوم والتاريخ، ويبدأ بطرح أسئلة لم يكن يطرحها من قبل. وقد تقوده هذه الأسئلة إلى إيمان أكثر عمقا، أو إلى الشك، أو حتى إلى الإلحاد.
والأمر نفسه ينطبق على الملحد. فالإلحاد ليس حالة واحدة. فقد يكون نتيجة قناعة فلسفية طويلة، أو تجربة شخصية مؤلمة، أو عدم اقتناع بالأدلة المطروحة، أو رفض لمؤسسة دينية معينة دون رفض فكرة وجود الله نفسها.
ولهذا من غير العادل أن نقول إن كل مؤمن يفكر بالطريقة نفسها، أو إن كل ملحد يحمل الدوافع ذاتها.
حتى بين المؤمنين أنفسهم توجد فروقات كبيرة. فقد يرى إنسان الله أبا محبا، بينما يراه آخر قاضيا شديدا. وقد يقوم إيمان شخص على الصلاة والتجربة الروحية، بينما يقوم إيمان آخر على البحث العقلي والفلسفي. وهناك من يؤمن بالله لكنه يختلف مع المؤسسات الدينية، كما يوجد من لا يؤمن بالدين لكنه يحمل منظومة أخلاقية عالية.
ثم تأتي التجربة الشخصية لتلعب دورا مهما.
فالإنسان الذي عاش طفولة مستقرة قد ينظر إلى العالم بطريقة مختلفة عن إنسان عاش الحرب أو الفقر أو العنف أو فقد شخصا عزيزا. وقد تؤدي التجربة نفسها إلى نتائج متناقضة.
قد يفقد شخص عزيزا عليه فيزداد تمسكا بالله، بينما يمر شخص آخر بالمحنة نفسها فيسأل: لماذا سمح الله بهذا الألم؟ ثم يبدأ الشك عنده.
الحدث واحد، لكن تفسير الإنسان له مختلف.
كما أن الشخصية النفسية والفكرية تؤثر في طريقة إدراك الحقيقة. فهناك من يميل إلى التحليل والشك وطلب البرهان، وهناك من يجد الحقيقة من خلال التجربة الروحية والقلب. وهذه الاختلافات لا تعني بالضرورة أن أحدهما أكثر ذكاء من الآخر، بل تعكس تنوع البشر في طريقة فهمهم للعالم.
كذلك يتغير مفهوم الله مع العمر والنضج. فالله الذي يعرفه الإنسان في طفولته ليس بالضرورة هو المفهوم نفسه الذي يحمله في مرحلة النضج. ففي الطفولة قد يكون الدين مجموعة من القصص والقوانين، وفي الشباب يتحول إلى أسئلة، وفي النضج قد يصبح علاقة أو قناعة عميقة أو حتى شكا وبحثا مستمرا.
ولهذا فإن الحرية في التفكير أمر أساسي. فالإنسان الذي لا يسمح لنفسه بالسؤال قد يعيش طوال حياته داخل أفكار ورثها، سواء كان مؤمنا أو ملحدا. أما الإنسان الواعي فيسأل نفسه: لماذا أؤمن؟ لماذا لا أؤمن؟ هل هذه قناعتي فعلا أم أنها قناعة ورثتها؟ وهل بحثت بما يكفي قبل أن أحكم؟
ومن هنا يمكن القول، بمعنى فلسفي، إن لكل إنسان "ربا خاصا به" من حيث الصورة الذهنية والفهم والتجربة، وليس بالضرورة من حيث الحقيقة الإلهية نفسها.
فالله، بالنسبة لمن يؤمن به، قد يكون واحدا، لكن الإنسان الذي يقف أمام هذه الحقيقة مختلف. معرفته وتربيته ولغته وثقافته وذاكرته وتجربته وألمه وفرحه وخوفه وحبه، كلها تؤثر في الطريقة التي يفهم بها الله.
ولهذا فإن الحوار بين المؤمن والملحد لا ينبغي أن يبدأ دائما بمحاولة إثبات أن أحدهما أفضل من الآخر، بل بمحاولة فهم الطريق الذي أوصل كل إنسان إلى قناعته. فالمؤمن ليس بالضرورة مجرد شخص ورث الإيمان، والملحد ليس بالضرورة شخصا يكره الدين. كلاهما قد يكون قد مر برحلة طويلة من الأسئلة والبحث.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل لكل إنسان رب خاص به؟
بل السؤال الأعمق هو:
هل نعرف الله كما هو، أم أن كل إنسان يرى الله من خلال المرآة الخاصة التي صنعتها حياته ووعيه وتجربته؟
وهنا تكمن فلسفة الإنسان: أن يبحث ويسأل ويتعلم ويراجع نفسه، وأن يحترم اختلاف الآخر دون أن يحول إيمانه أو إلحاده إلى سبب لاحتقار الإنسان المختلف عنه.
فالحقيقة، إن كانت موجودة بصورة مطلقة، لا تخاف من السؤال، والإيمان العميق لا يخاف من التفكير، والإنسان الواعي لا يخاف من مراجعة نفسه.
وربما تكون رحلة البحث عن الله، أو البحث عن الحقيقة، في نهاية الأمر رحلة البحث عن الإنسان نفسه: من أين جاء، ولماذا يعيش، وما معنى وجوده، وإلى أين يمضي بعد أن تنتهي هذه الحياة.
