للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1507)

مقاميون بلا حدود/ 17

مجيــد رشيــد الحيالي المقامي الخبير (1915-1982)

 

ملف خاص عن مطرب المقام العراقي الخبير مجيد رشيد الحيالي. من كتابي (المقام العراقي بين طريقتين) الصادر في كانون ثاني 2011.

 

عن القيمة المقامية والفنية للخبير مجيد رشيد الحيالي الفنية والمقامية، ذكرتُ في كتابي الاول الموسوم (المقام العراقي الى اين ..؟) الصادر في بيروت عام 2001 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وانا في معرض حديثي عن شيخ المقاميين الحاج هاشم الرجب في صفحة 181 و 182 ما نصه ادناه.

(((وفي هذا الصدد يمكنني القول معتمدا على تجربتي الشخصية في هذا المجال، حيث اشيع عن الكثير ممن عملوا في الوسط المقامي، خبراء او باحثين او مؤدين، على انهم خبراء ولديهم علم وافر في تفصيلات واعماق المقام العراقي.حد المبالغة بخبرتهم ومعرفتهم بالمقامات العراقية..! فالتقيتُ الكثير منهم واستمعتُ الى اكثراحاديثهم وتعرفتُ على مستوياتهم الفنية والمقامية في هذا الشان. فلم اجد غير ثلاثة لا رابع لهم، يمكن ان ادرجهم ضمن الدرجة الممتازة كافضل مستوى معرفي في شأن المقام العراقي. وهم الحاج هاشم الرجب ويوسف عمر ومجيد رشيد الحيالي..! وقد دهشت اذ لاحظت بشكل عفوي ان هؤلاء الثلاثة هم بالاساس فنانون مؤدون للمقام العراقي..! وبذلك فان حالتهم تؤكد على اهمية اقتران المعرفة النظرية بالمعرفة التجريبية الادائية والتطبيقية الحية الخالصة. لذلك فاني ارى ان من يمارس الاداء المقامي هو اقرب في التعبير عن حقيقة مكنونات المقامات العراقية وتفصيلاتها كونه يعيش العملية الادائية بكل تفاصيلها ويدرك معاناة اداء الجملة الادائية..)))

 

       هذا ما ذكرته في كتابي الاول فيما يخص حديثنا عن المطرب والخبير المقامي مجيد رشيد الحيالي. فعلى الرغم من ان يوسف عمر هو اكثر هؤلاء الثلاثة نال الشهرة والنجاح المطرد في غناء المقامات العراقية لامتلاكه صوتا جميلاً معبراً عن الهوية والتعبير البغدادي. ولكنهم أي الثلاثة المقصودين يعدّون خبراء في اصول المقامات العراقية من الطبقة الممتازة بلا ريب.

        هكذا اذن، نتكلم الآن عن فنان مقامي من الدرجة الممتازة في فهمه لتفاصيل الشكل المقامي التقليدي والتاريخي ومضامينه الادائية التعبيرية. هو اذن مجيد رشيد الحيالي المطرب المقامي والخبير في شؤون المقامات العراقية.

 

طابعه المميز

        ان الطابع المميز للمطرب والخبير المقامي المخضرم مجيد شيد الحيالي، هو تقاليد المنطقة الشعبية التي عاش فيها بـحي (سوق حمادة) في جانب الكرخ من بغداد. حيث وجد امامه التزام وتمسك بالظواهر السلوكية التراثية عموما، امرا تربويا لابد منه لاسيما في الفترة القلقة التي مرَّ بها الأداء المقامي في بغداد. والتي تمخضت عن ذلك الصراع الذي احتدم بين الطريقتين (القندرجية والقبانجية). أي ما بين افول نجم الطريقة القندرجية وسطوع نجم الطريقة القبانجية فترة الثلاثينيات والاربعينات التي اطلقتُ عليها مجازاً بـ(الفترة الانتقالية)، الأمر الذي ادى الى ان يكون فيه مجيد رشيد الحيالي الذي ظهر كمؤدي للمقام العراقي في هذه الفترة ذو حظ وافر. حيث استطاع ان يغرف من مناهل الطريقتين والطرق الاخرى ليخلص في النهاية الى طريقة شبه خاصة به تميّز بها عن اقرانه المعاصرين له من جيله.

 

    نجد على العموم، ان اكثر الفروقات الأدائية لدى كل المؤدين في هذه الفترة قد غطى عليها الألتقاء في الغايات والأهتمامات في الحفاظ على تراثنا الغناسيقي الخالد (المقام العراقي). ولعل هذا هو اكثر ما يمكننا ان نصرح به في محاولة مواءمة مؤدي هذا الجيل وفق مقياس واحد. لأن هناك بالأضافة الى كل ما قيل بخصوص العلاقة الفنية العامة بين هؤلاء المؤدين مزايا وخواص من الصعب الكشف عنها بدقة. الا بدراسة دقيقة لنتاجاتهم المقامية التي سجلوها باصواتهم.

 

نجاح مجيد رشيد

    باستثناء يوسف عمر، وهو من مؤدي جيل المطرب مجيد رشيد الحيالي والمعاصر للفترة الانتقالية. نجد ان مجيد رشيد الحيالي هو ابرز هذا الجيل في مجال دقة تأدية الأصول المقامية من حيث الشكل المقامي التقليدي والتاريخي(form)..!

    لقد كان نجاح مجيد رشيد الحيالي جيدا عقب تسجيله لمقام الأوج في دار الاذاعة العراقية لأول مرة عام 1946. ويبدو ان امكانيته في معرفة اصول المقامات العراقية قد ساعدته في الحصول على نتاجات اخرى في شأن تسجيله للمقامات العراقية الأخرى التي سجلها تباعا. رغم انه لم يكن يمتاز بصوت جميل..! ومع ذلك يمكن اعتبار المقامات العراقية التي سجلها مجيد رشيد الحيالي في حياته، تعد من افضل التسجيلات التي اكدت علىالشكل المقامي (Form )..! وقد اكد ذلك الكثير من النقاد الذين تحدثوا عن مجيد رشيد الحيالي وحساسية دقته في تطبيق الشكل المقامي.كالناقد الموسيقي المقامي عبد الوهاب الشيخلي والباحث التراثي كمال لطيف سالم والباحث التراثي الموسيقي عبد الوهاب بلال واخرون.

 

      ان التسجيلات المقامية التي تركها لنا المطرب مجيد رشيد المسجلة بصوته، تروي لنا جهود فنان انكب طيلة حياته على معرفة دقيقة بالانغام والسلالم الموسيقية حتى السلالم التي لا تستخدم في العراق..! بمجرد سماعه جملة ما من أي سلم، سرعان ما يؤشر ليعلن على ان الذي يسمعه هو السلم الفلاني..!! كذلك معرفة دقيقة كما قلنا قبل قليل بالاصول الادائية التقليدية للمقامات العراقية التي نعني بها الشكل المقامي (Form)، زيادة على ذلك فقد امتلك امكانية حفظ هذه السلالم والاجناس الموسيقية حتى التي لا تستعمل في العراق ولا في الوطن العربي..! كذلك حفظ الكثير من الادوار العربية وتعمق في هذه المعارف ولو بشكل مكتسب عن طريق التجربة والهواية. لذلك فان هذا الجهد الواضح في اداءاته المقامية يعمق ويثرى بادراك مجيد رشيد الحيالي بانه يجني ولو بشكل جزئي ما سبق ان اجتهد وتعلمه في سني حياته.

 

نصوص مقاماته

    اليك عزيزي القارئ بعض مطالع القصائد والزهيريات التي غناها في مقاماته المسجلة في صوته باذاعة بغداد. ففي مقام الأرواح الذي يعد من مقاماته الجميلة والجيدة  يغني هذه لقصيدة.

 (اهواك لو كان الفؤاد خليا/لهتفت باسمك بكرة وعشيا)

   

ومن قصائد المتنبي الشهيرة (إعتاق الأسرى) حيث يؤديها في مقام الرستهذا المطلع.

 (لِعَينَيكِ ما يَلقى الفُؤادُ وَما لَقي/وَلِلحُبِّ مالَم يَبقَ مِنّي وَما بَقي)

 

        وفي مقام الحكيمي غنى هذا الزهيريوهذا المطلع.

 (قلبي صريع الهوى ما عادلي العينه)

 

         وفي مقام البهرزاوي نرى حالة اداؤه افضل مما ادى في مقام الحكيمي حيث يغني فيه هذا الزهيري وهذا مطلعه.

 (ولفي تبع عاذلي ياوسفــتي راحلة)

 

        ثم نرى ان المطرب والخبير المخضرم مجيد رشيد الحيالي في مقام البيات.في احسن حالاته الأدائية عندما يؤديه بقصيدة حسام الدين الحاجرى المتوفى سنة 632 هـ وهذا مطلع القصيدة.

 (أنت الحيـاةُ وأنت السمــع والبصر/كيف احتيـالى ومالى عنك مـُصطبرُ)

 

    وفي مقام الأوج اختار المطرب مجيد رشيد هذه القصيدةوهذامطلعها.

 (جَسَدٌ نـــــــــــــاحِلٌ وَقَلبٌ جَريحٌ/وَدُموعٌ عَلى الخدود تسيحُ)

 

اما في مقام المنصوري فقد غنى المطرب مجيد رشيد هذه القصيدة للشاعر الصوفي عبد الرحيم البرعي وهذا مطلعها.

 (فـؤادي بربـعِ الظاعنيـنَ أسيـرُ/يقيـمُ علـىآ ثارهـمـو  أسـيـرُ)

 

ويذكر ان المطرب مجيد رشيد الحيالي كان قد ادى هذه المقامات العراقية بمصاحبة فرقة الجالغي البغدادي.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

صورة1/ حسين الاعظمي يتوسط زملاءه الفنانين، من اليمين بهاء عبد الرزاق وجميل الاسدي، الواقفون، وسام العزاوي والمطربة فريدة محمد علي ومحمد حسين قمر، كانون الثاني 1992

 

 

صورة2/ الخبير والمطرب المقامي العراقي مجيد رشيد الحيالي (1915 – 1982)

  

صورة3/ مجموعة من فناني المقام العراقي القدماء، الجالسون من اليمين المطرب يوسف حريش والمطرب عباس كمبير الشيخلي والمطرب جميل البغدادي والعازف ناحوم يونا.الواقفون الملا كامل والباحث جلال الحنفي والمنشد الديني محمد نوري وذلك في العقد الثلاثيني من القرن العشرين.