
عِشقٌ ليس كمِثْله عِشقْ،
على مذابح الانتماءات والولاءات والمتاهات!
الدكتور سمير محمد ايوب
الراحل جمال الشاعر طبيب سَلْطيٌّ إخْتَطَفَتْهُ السياسة، بعد نكبة فلسطين في العام 1948 كان في طليعة الشباب العربي الذين استشعروا رياح التغيير، التي اجتاحت المشرق العربي. فوجه أشرعته نحوها، وبقي مسكونا بهواجسه القومية حتى رحيله في تموز 2007.
فقد اجتاح المشرق برمته آنذاك، عديدٌ من التحولات التي كادت أن تكون جذرية على أكثر من صعيد. وشكلت ملامح الكثير من رجالات تلك المرحلة، ونخبها السياسية التي بدأت بالبروز. من أبرز هؤلاء، كان هذا السياسي المسكون بانتماءاته الفكرية والوطنية، منذ اربعينيات القرن الماضي حتى لحظة رحيله.
صالونه السياسي الذي كان يَعقده في بيته، مُلتقى مُهمّا للعديد من السياسيين واصحاب الفكر، الذين كانت تكتوي أصابعهم في مجامر السياسات المحلية والفلسطينية والعربية. كان صاحب الصالون، مرجعا لكل من اقترب من التاريخ الحديث، الذي كان يمهد لإعادة بناء الأردن المعاصر والجوار.
وما ان حل مساء الثالث عشر من أيلول 1993، إلا وكانت الأجواء العربية الشعبية في الأردن، قد فُجِعَت بارتدادات كارثة اوسلو، التي أرْخَت بظلالها السُّود، على ما تبقى للأردن من خياراتٍ سيادية. وعلى ضفتي الأردن، إختلط حابل السياسيين من كل الاجيال، بنابل الناشطين من مختلف الأطياف الوطنية والقومية، والتي كانت كلها، تطرح الكثير من شعارات وبرامج محلية قطرية، وقضايا كبرى مثل الوحدة والتحرير والتنمية والديمقراطية. وتدفقت الاسئلة الحائرة والقلقة والمستنكرة، من كل الاتجاهات والمستويات مثقلة بمضامينها وأشواقها ومخاوفها.
منذ ما قبل سَقْطَةِ أوسلو حتى رحيل الدكتور جمال، حظيت بلقاءات عديدة مع هذا المثقل بوطنيته وهمومها وبعروبته وفجائعها، والعديد من شركائه في التيار الليبرالي العريض، والتجمعات الديمقراطية الوحدوية، التي كان المشهد الاردني يعج بها وبمماحكاتها.
ساعات كثيرة مليئة بأسئلة شعبية، حريصة على ما في آفاق الضفتين وغيومها وعواصفها، من نُذُرٍ ومخاوف وقلق، وأحلام وآمال وتمنيات، كُنتُ كالحمام الزاجل، أنقلها منه بصمتٍ أمين، إلى صديقي الإنسان أحمد قريع – أبو علاء، كواحد من اكبر مهندسي أوسلو، وأعود للدكتور الشاعر، محملا بتفاسير ومبررات وتطمينات، وأحيانا بكمشات من العتاب، الساعي لتوسيع وتعميق المشترك، المأمول في قادم الأيام. وخاصة الجدل الدائر حول فكرتي الفدرالية والكنفدرالية، كأطر سياسية كانت مطروحة لاعادة جمع الضفتين.
في منتصف تموز من العام 2006، قبل عام من رحيل الدكتور جمال، كنت في بواكير مساء ذات يوم، أتمشى برفقته في ممرات حديقة بلدية السلط الكبرى، في جبل السلالم، والمسماة باسم شقيقه رجل الاعمال المشهور "كمال الشاعر"، التي تطل على وسط مدينة السلط القديمة (البلد) ، وتوفر إطلالات بانورامية ساحرة، تمزج بين الطبيعة وهدوء الأجواء.
من بداية تجوالنا في المَطلِّ السلطي، حظينا بحوار متمدن مُطَوَّلٍ، عن عَلَمٍ من أهم رموز الحركة الوطنية الأردنية، الكاتب المرحوم ناهض حتَّر، قبل اغتياله في الخامس والعشرين من أايلول 2016. فقد كان حتّر وهو يحاول درس التكوين الاجتماعي الأردني، يكثر من الحديث عن المكون الفلسطيني في هذا التكوين، ويرتطم به.
وما أن استرحنا في زاوية من زوايا المنتزه، ومع اول فناجين قهوتنا، إنصرف حوارنا، إلى جدلية الانتماء والولاء، التي كانت موضوعا لبعض الجدل العلني، الذي كان يقوده المرحوم حتَّر في كتاباته ومجالسه الخاصة.
فقال الدكتور جمال، إنها فرصة دعني أستغلها لأسألك، عن حيرة الفلسطيني المقتلع من بيته في فلسطين، والمَنفِي بعيدا عنها، واحيانا بعيدا جدا. وقال: أتمنى أن اسمع منك بكل صفاتك، التي أعرفها حق المعرفة، تفسيرا أو قراءة معمقة في تلك الحيرة التي يعيشها الفلسطيني، المنفي في بلاد الله بين بيته هناك، في فلسطينه، وبيته المؤقت في المخيمات والمغتربات، التي وجد نفسه مضطرا فيها. وتابع الدكتور الشاعر قائلا وهو يتنهد بوجع: أظنه يذبح بحيرته بين ولاءاته المزدوجة، والمتصارعة والمُرْبِكة جدا.
فقلت بوجع موازٍ بِلْكَمِّ والإتجاه: آه يا صديقي، لقد وضعت يدك الآن على جرح يَنزُّ ولا يندمل. جرح الفلسطيني. ما ضمنته في سؤال واحد يقول: "يُذبح بحيرته وتعدد ولاءاته المزدوجة والمتصارعة والمربكة جداً. والله لو اجتمع كل خبراء الأرض في علم الاجتماع السياسي، ما قالوا أوجع من هذا السؤال يا دكتور جمال!
قبل أن أجيبُك بشيءٍ عن مذبحة الولاءات تلك، إسمح لي أن أطلب فنجانا ثانيا من القهوة الثقيلة المرة، كثقل ومرارة المنافي الفلسطينية، ومن ثم ساحاول رسم ذاك الجدل الذي طلبته. كما أراه أنا، وكما يعيشه الكثيرون من حيارى وغيارى أمتنا العربية.
الفلسطيني المقتلع بقهر القتل البشع، والجبر المسلح والغصب المتواطئ، من تراب وطنه، لا يعيش يا صديقي في منافيه القريبة أو البعيدة في منفى واحدا. بل يعيش جسده وروحه في منفيين معا، يرتطمان، يتقاتلان ويتصارعان كل ليلة، وعلى نفس الوسادة.
المنفى الأول: بيته هناك، في الناصرة، عكا، بئرالسبع، او في قرية اسمها دير ياسين او الدوايمه او الطنطورة. هناك في بيت لم يره بأم عينه، ولكنه يراه كل يوم. فأمه وجدَّتُه تقولان له، وهو طفل في مخيم البقعة في الاردن، أو في مخيم النيرب في سوريا أو في مخيم صبرا في لبنان: يا ستي، بيتنا في فلسطين، كان له باب أزرق، تحتضنه ياسمينة، وتحت الياسمينة جرة من الفخار ممتلئة ماء زلالا، ويتدلى من الجرة كاسة من الالمنيوم تخدم العطاش من السابلة.
يكبر الطفل هذا، ويصير شاباً، يصير أنت وأنا وهو وتلك. ويصير الباب الأزرق وطناً كاملاً. ويصير مفتاح البيت الذي صدأ، أثقل من جواز السفر الذي يحمله. ويصير عنواناً لا يصل إليه البريد أبداً. يافا، شارع البحر، البيت الثاني بعد الفرن".
هذا البيت هناك، لا يحتاج منه ولاء. لأن البيت هناك، هو من يفرض ولاءه عليه. يٌلَقِّنُه كل ليلة: أنا أصلك، فلا تنسى، فيخاف الفلسطيني أن ينسى. فيحفظ اسم القرية، واسم العائلة، واسم البئر والفرن، واسم الشجر والحجر والتراب، كأنه يحفظ القرآن، حتى لا يكفر.
أما المنفى الثاني يا صديقي: فهو المخيم هنا وهناك وهنالك. وهنا الكارثة يا دكتور، المخيم بأزقته الضيقة وغرفه المتراصة المتلاصقة، في مخيم شنللر، أو عين الحلوة...او جنين او اليرموك او مخيم تل الزعتر، هذا المخيم الذي مضطرا قد وجد نفسه فيه، كما تفضلت أنت وقلت بكلمة دقيقة جداً "مضطراً فيها". أول سنة كره ذاك المخيم، وفي السنة الثانية شتمه، وفي الثالثة قاتله، وفي الرابعة توافق معه، وفي العاشرة قبل به على مضض، وفي العشرين قد يكون أحبه، دون أن يدري لم ولا كيف؟!
فالمخيم هو الذي أطعمه خبز الأونروا، وهو الذي علمه في مدارسها، ولم تكن جغرافيا المخيم عنده مسقط الرأس وحسب، بل مهد الطفولة، ومرتع الشباب الباكر. فكانت تلك الجغرافيا، عنده هي الحضن الكبير، الذي ألهمه رؤيته الخاصة تجاه الحياة والمستقبل، وفيها تلقى الكثير من معارفه، ومارس شقاوته، وشهدت أولى اشتباكاته مع الواقع، والظروف السياسية المحيطة وفي الآفاق. في المخيمات تأسس وعيه وعمَّقَه، ورسم منهج حياته الحافلة بالتحولات والمستجدات والإنجازات الفردية. فيه تميز في التحصيل العلمي، وفيه تزوج، وفيه دفن والديه قبل أن تكتمل رجولته.
المخيم هو الذي أعطاه رفاق أشواق التحرير والعوده، وأعطاه بندقيته الأولى، وأعطاه إسماً جديداً: الفدائي، المناضل، الثائر والعائد فلان وابو علان.
فجأة، يكتشف الفلسطيني أن له ولاءين. ولاء للباب الأزرق الذي لم يره، وولاء لباب الصفيح في المخيم الذي يعيش فيه. وهنا يُذبح تماما كما تفضلت وقلت دكتور. يُذبح كل صباح حين يَسألُ نفسه: إذا عدنا إلى يافا غداً، هل آخذ معي جاري في المخيم، أبو خالد أبن سعسع او ابن صفورية أيضاً، ذاك الذي قاسمني الخبز والرصاص لأكثر من سبعين عاما؟! أم أتركه؟ وهل ستتسع حيفا أو قرى الدوايمه لنا نحن الإثنين، بعد أن صرنا ملايين السواعد والأفواه والعقول؟!
ويُذبح الفلسطيني كل مساء يا صديقي/ كلما سأل نفسه: من أنا هنا أو هناك؟ أأنا أردني؟ لبناني؟ كويتي؟ وفنزويلي؟! أم أنا فلسطيني؟! إذا قلتُ أنا هذا أو ذاك، أخونُ البابَ الأزرق، وإذا ما قلتُ أنا فلسطيني فقط، أخون المخيم الذي آواني، رباني وأغناني من جوع، وطبطب على من مخاطر مرحلية كثيرة اخرى.
ولاءات متصارعة ومربكة جداً كما قلت. يحب فلسطينه حباً مقدساً، ولكنه يحب المخيم حباً يومياً موازيا، بحكم والولاء والانتماء والامتنان، حب الخبز والملح والعشرة والجيرة. يريد أن يعود، ولكنه يخاف أن يعود. لأن اللاجئ او النازح او المبعد، إذا عاد، سيفقد المنفى الذي صار جزءا من هويته وكينونته.
يا سيدي، في الطعة التي تسود هذا العالم الرجراج، الفلسطيني الذي قد يعود، من سيكون؟! هل سيبقى فلسطينياً؟! أم سيصير شيئاً آخر؟! في هذه الطَّعَةِ المتحولة، فإن الفلسطيني هو الوحيد الذي إذا سافر، لا يسافر ليكتشف العالم، بل ليسأل كل حجراو شجراو طلل: هل رأيت أطلال قريتي و مدينتي، وهل قبلت قبل الصبح ما تبقى من حجارتها؟! وهو الوحيد في هذا العالم، الذي إذا بنى بيتاً جميلاً في أي بقعة سياسية على هذا الكوكب، من حجر معان او حيَّان او حتى من حجر قباطية يترك حجراً واحداً ناقصاً في سور ما يبني، كأنه يقول: هذا البيت ليس بيتي النهائي. النهائي هناك في اليامون او طيرة حيفا او قاقون.
هل عرفت الآن يا دكتور لماذا قلتَ أنت "يُذبح بحيرته"؟! لأنه لا يستطيع أن يكون خائناً، ولا يستطيع أن يكون وفياً بالكامل. فالوفاء لأحدهما خيانة للآخر. فماذا يفعل هذا الحائر المحاط بشك ظالم!
يبكي بصمت، كما بكى الكل في عزاء بلقيس نزارالقباني ذات يوم في بيروت. يبكي على الباب الأزرق في يافا، ويبكي على باب الصفيح في مخيم عين الحلوة او الوحدات، في نفس اللحظة.
اعذرني على الدمعة النبيلة التي اراها حائرة في عينيك، فأنت من فتح هذا الباب الان، بعد أن كان البعض قد شرَّعَه على مصراعية لبعض النسيم والكثير من الزوابع والرياح.
يا ابن هذة الارض النبيله الطيبة، التي تعشقها كأولادك، قل لي بربك كيف ينجو الفلسطيني المقتلع والمنفي من هذه المذبحة؟! كيف يجمع ولاءاته وينسق ارتطاماتها في قلب واحدّ، دون أن تنفجر في وجهه او من حوله؟!
الاردن – 23 /10 /2026
