
الفريق اول الركن عبد الوهاب الساعدي والزعيم عبد الكريم قاسم:
حين تلتقي الوطنية بمحبة الشعب
د. عامر ملوكا
ليست قيمة القائد في المنصب الذي يشغله او الرتبة التي يحملها، بل في المواقف التي يتخذها، والخدمات التي يقدمها لوطنه، والاثر الذي يتركه في نفوس الناس. فهناك شخصيات تغادر المناصب وتغيب عن الذاكرة، واخرى تبقى حاضرة في وجدان الشعب بما ارتبط باسمها من مواقف وطنية وانسانية.
ومن بين الشخصيات التي تركت اثرا في الذاكرة العراقية، يبرز الفريق اول الركن عبد الوهاب الساعدي، الذي ارتبط اسمه بمعارك تحرير المدن العراقية من تنظيم داعش، والزعيم عبد الكريم قاسم، الذي تولى قيادة العراق بعد ثورة 14 تموز عام 1958. ورغم اختلاف المرحلتين وطبيعة المسؤوليات، فان المقارنة بينهما تتيح لنا التأمل في معنى الوطنية، وفي الصفات التي يتطلع المواطن الى رؤيتها في قائده.
برز اسم الساعدي خلال واحدة من أصعب مراحل تاريخ العراق، حين سيطر تنظيم داعش على مدن ومناطق واسعة، وواجه العراقيون خطر الارهاب والتهجير وفقدان الامن. وقد شارك في قيادة عمليات عسكرية مهمة لتحرير المناطق المحتلة، واكتسب شعبية واسعة لدى قطاعات من العراقيين. وأطلق عليه محبوه لقب «بطل النصر والسلام»، تعبيرا عن تقديرهم لدوره العسكري وتطلعاتهم الى عراق آمن ومستقر.
وتنسب الى الساعدي عبارة معبرة: «اريد ان أقدم للوطن أكثر مما يعطيني». وهي عبارة تختصر مفهوما نبيلا للوطنية، يقوم على العطاء لا انتظار المكاسب، وعلى اعتبار خدمة الوطن واجبا اخلاقيا قبل ان تكون طريقا الى منصب او امتياز. فالسؤال الذي ينبغي ان يطرحه كل مسؤول على نفسه ليس ماذا اعطاني الوطن، بل ماذا قدمت انا لوطني؟
وتنسب اليه ايضا اجابة لافتة عندما سئل عما إذا كان ينافس السياسيين، اذ قال: «قد انافسهم في محبة الناس». وتحمل هذه العبارة معنى عميقا؛ فالمنصب قد يمنح الانسان سلطة، لكنه لا يستطيع ان يفرض محبة الناس. فالثقة الشعبية لا تشترى بالامتيازات ولا تصنع بالألقاب، بل تكتسب بالمواقف والاخلاص وخدمة المجتمع.
كما تنسب اليه مقولة تنتقد الفهم الخاطئ للديمقراطية، ومفادها ان بعض الناس يفهمونها بمنطق «افعل ما تشاء»، بدلا من «افعل ما يجب». فالديمقراطية ليست حرية بلا حدود، بل منظومة من الحقوق والواجبات، تقوم على احترام القانون والمساءلة وحقوق الآخرين. فالمواطن مسؤول عن احترام حقوق غيره، والسياسي ليس فوق القانون، والقائد العسكري، مهما علت رتبته، ملتزم بواجباته تجاه الدولة والمجتمع.
وقد اثار نقل الساعدي عام 2019 من موقعه في جهاز مكافحة الارهاب الى امرة وزارة الدفاع ردود فعل شعبية واسعة. ورأى كثير من مؤيديه ان القرار ابعده عن دوره القيادي الميداني وجمد حضوره السابق. وذهب بعضهم الى احتمال ان تكون شعبيته ومحبة العراقيين له من اسباب ابعاده. ومع ذلك، تظل الواقعة مثيرة للتساؤل حول العلاقة بين الشعبية والقرار السياسي، وحول ضرورة حماية الكفاءات وتقييم القيادات على اساس الاداء والقانون..
ان الخسارة الحقيقية التي يتكبدها الوطن لا تتمثل فقط في ابعاد قائد عسكري عن موقعه، بل في حرمان الدولة والمجتمع من خبراته وكفاءته واخلاصه، ومن قدرته على مواصلة العطاء في خدمة الشعب والوطن. فكم هو مؤلم ان تمتلك الدولة شخصيات وطنية اثبتت جدارتها في أصعب الظروف، وقدمت التضحيات في سبيل امن البلاد واستقرارها، ثم لا تستثمر طاقاتها بالشكل الذي تستحقه. ان استبعاد الكفاءات الوطنية او تهميشها، إذا لم يستند الى معايير مهنية وقانونية واضحة، يمثل خسارة كبيرة للحاضر واضعافا لفرص المستقبل، ويبعث برسالة سلبية الى كل انسان مخلص يسعى الى خدمة بلده..
فالأوطان لا تبنى بأبعاد اصحاب الخبرة والاخلاص، ولا تتقدم بتغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة، بل تبنى باحترام الكفاءات، واتاحة الفرصة امامها للعمل والابداع وتحمل المسؤولية. وإذا كان الفريق اول الركن عبد الوهاب الساعدي قد اكتسب محبة قطاعات واسعة من العراقيين لما ارتبط باسمه من تضحيات ومواقف عسكرية، فان الواجب الوطني يقتضي ان يكون معيار التعامل معه ومع غيره من القيادات هو الكفاءة والنزاهة والاداء، لا الحسابات الشخصية او التنافس على الشعبية.
فالعراق الذي عانى طويلا من الحروب والارهاب والازمات احوج ما يكون الى الاحتفاظ برجاله الاكفاء، والاستفادة من خبراتهم، وتحويل قدراتهم الى قوة لبناء دولة مستقرة وعادلة. ان اهدار الطاقات الوطنية لا يضر بالشخص الذي يجري تهميشه وحده، بل يضر بالوطن كله، ويؤثر سلبا في ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وفي امل الاجيال القادمة بمستقبل أفضل. فالدول التي تتقدم هي التي تكتشف كفاءاتها وتحميها وتمنحها الفرصة لتخدم المجتمع، اما الدول التي تسمح للمصالح الضيقة ان تتقدم على المصلحة العامة، فأنها تخسر رجالا وطاقات وامكانات يصعب تعويضها. واننا على يقين لو دخل الفريق عبد الوهاب الساعدي انتخابات شخصية مع أي من الرموز السياسية على الساحة العراقية لكانت أصوات الساعدي متفوقة وهكذا بالنسبة لعدد غير محدود من الرموز الوطنية التي اثبتت كفاءتها واخلاصها ووطنتيها.
وعندما ننتقل الى الزعيم عبد الكريم قاسم، نجد تجربة تاريخية مختلفة، ارتبطت في ذاكرة انصاره بالبساطة والاهتمام بالفئات الفقيرة والامل في العدالة الاجتماعية. فقد رأى فيه كثير من العراقيين قائدا قريبا من الناس، يشعر بمعاناتهم ويسعى الى تحسين ظروفهم المعيشية.
ان التشابه بين الساعدي وقاسم لا يعني تطابق تجربتيهما، بل يكمن في بعض القيم التي يبحث عنها المواطن في القائد: التواضع، والشعور بالواجب، والارتباط بالوطن، والاهتمام بالإنسان، والابتعاد عن اعتبار السلطة غاية شخصية. فالأول ارتبط في الذاكرة الشعبية بمواجهة الارهاب والتضحيات العسكرية، والثاني ارتبط لدى انصاره بالبساطة والاهتمام بالفقراء والتغيير الاجتماعي.
ومحبة الشعب، مهما بلغت، ليست بديلا عن المؤسسات ولا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة، لكنها تمثل رصيدا معنويا يستحق الاحترام. وفي الدولة التي تحترم نفسها، ينبغي ان تكون الكفاءة والنزاهة والالتزام بالقانون اساس تولي المسؤوليات، بعيدا عن المصالح الشخصية او القرارات الاعتباطية.
ان العراق لا يحتاج الى صناعة اساطير حول قادته، بل الى قراءة تجاربهم بموضوعية، وتقدير ما يستحق التقدير، ونقد ما يستحق النقد. فالوطن أكبر من الاشخاص،
فالمجد الحقيقي للقادة لا يكمن فيما يحصلون عليه من السلطة، بل فيما يقدمونه لوطنهم، وما يتركونه من إثر طيب في حياة الناس وذاكرة الاجيال.
