للذهاب الى صفحة الكاتب   

المواطنة قبل الانتماءات

يونس متي

 

 

لا تتكرر مظاهر التعصب والإقصاء والعنف في مجتمعاتنا بسبب أفكار يحملها أفراد أو جماعات فقط، بل أيضاً في ظل أوضاع تسمح بإعادة إنتاجها، ومؤسسات لا تنجح دائماً في ترسيخ المساواة بين المواطنين. ومع كل حادثة جديدة، تتجدد الإدانات والدعوات إلى التسامح، وتتبادل الأطراف الاتهامات، لكن النقاش كثيراً ما يتوقف عند الفعل ومرتكبيه، من دون التعمق في الظروف التي تجعل تكرار مثل هذه الأحداث أمراً ممكناً.

 

إن مواجهة هذه الظواهر تتطلب أكثر من إدانة العنف والتطرف. فهي تستدعي النظر في طبيعة الدولة، ودور مؤسساتها، والكيفية التي يتشكل بها وعي الأجيال الجديدة، والعلاقة بين الانتماءات الدينية والقومية والأيديولوجية وبين المواطنة وحقوق الإنسان.

 

لا تكمن المشكلة في تنوع المجتمع وتعدد معتقدات أفراده وأفكارهم. فهذا التنوع حق مشروع، ويمكن أن يكون مصدر غنى للحياة الاجتماعية والثقافية. تبدأ المشكلة عندما يتحول الاختلاف إلى أساس للتمييز، أو يجري استثماره لإثارة المخاوف وتكريس الحواجز بين المواطنين، وتصوير مصالح جماعة ما وكأنها تتعارض بالضرورة مع مصالح الجماعات الأخرى.

 

وقد تجد بعض القوى السياسية في استمرار هذه الانقسامات وسيلة للحفاظ على نفوذها. فعندما ينشغل المواطنون بالدفاع عن انتماءاتهم الفرعية، تتراجع فرص توحدهم حول مصالح مشتركة ومطالب تتعلق بحقوقهم وأوضاعهم المعيشية، وتضعف قدرتهم على مساءلة المسؤولين. وبدلاً من أن يقوم التنافس السياسي على البرامج والأداء والقدرة على معالجة مشكلات المجتمع، قد يصبح استدعاء الهويات والمخاوف وسيلة لحشد الأنصار وضمان الولاءات.

 

ولا يعني ذلك أن كل خلاف اجتماعي أو سياسي يجري توظيفه عمداً، أو أن جميع القوى السياسية تتعامل بالطريقة نفسها. لكن استمرار الانقسامات، حين يترافق مع تفاوت الحقوق وضعف المؤسسات، قد يهيئ بيئة تستفيد منها القوى التي لا ترغب في قيام مواطنة متساوية تتقدم فيها المصالح العامة على الولاءات الضيقة.

 

وتبرز هنا مسؤولية الدولة، فلا يكفي أن تعلن احترامها للأديان والمعتقدات والتوجهات الفكرية، بل ينبغي أن تترجم ذلك إلى قوانين وممارسات ومؤسسات تضمن المساواة الفعلية. فالدولة ليست مطالبة بتوحيد معتقدات مواطنيها أو أفكارهم، وإنما بضمان حقوقهم بصرف النظر عن معتقداتهم وأفكارهم. ولا يجوز أن تتحول مكانة دين أو أيديولوجية، أو حجم أتباعها ونفوذهم في المجتمع، إلى معيار لتحديد مكانة الإنسان في وطنه.

 

ويكتسب التعليم أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه لا يقتصر على نقل المعارف والمهارات، بل يسهم في تشكيل وعي الأجيال ونظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين. فإذا أردنا تنشئة أجيال تحترم الاختلاف، فعلينا أن نضمن أن تتعامل المؤسسات التربوية مع الاختلاف على أساس المساواة.

 

 

وهذا يقتضي أن تقوم العملية التربوية على ضوابط واضحة ومحايدة تجاه التوجهات الدينية والأيديولوجية، مهما كان حجمها أو موقعها في المجتمع. ولا تعني هذه الحيادية تجاهل الدين أو التقليل من مكانته في حياة المؤمنين، كما لا تعني منع الطلاب من التعرف إلى الأديان والثقافات المختلفة. المقصود هو ألا تتحول المدرسة إلى أداة لفرض توجه بعينه، أو لترسيخ فكرة أن جماعة ما أحق بالوطن من غيرها.

 

ولا يتحقق هذا الحياد بمجرد النص عليه في المناهج أو إعلانه في السياسات التعليمية، بل يحتاج إلى مراجعة مستمرة للمناهج الدراسية، وتأهيل المعلمين للتعامل مع التنوع الديني والفكري، وضمان عدم التمييز بين الطلاب بسبب معتقداتهم أو انتماءاتهم. كما يتطلب وجود ضوابط واضحة وآليات لمتابعة تطبيقها وتصحيح الخلل عند وقوعه. فالمساواة في التعليم لا تُقاس بما تعلنه المؤسسات فحسب، بل بما يعيشه الطلاب يومياً في الصفوف الدراسية، وبما يتعلمونه من احترام متبادل وحقوق متساوية.

 

ولا يقتصر هذا المبدأ على الدين وحده. فالتعصب القومي والأيديولوجي يمكن أن يقود بدوره إلى الإقصاء والتمييز، وأن يقدم الولاء للجماعة على احترام حقوق الآخرين. لذلك ينبغي أن يكون المعيار واحد، احترام حرية الاعتقاد والتفكير، وقبول التنوع، ورفض التحريض على الكراهية والعنف، وضمان الحقوق المتساوية للجميع.

 

إن الانتماءات الدينية والقومية والثقافية والفكرية جزء من حياة الإنسان، ومن حقه الاعتزاز بها وممارستها بحرية. لكنها لا ينبغي أن تكون المقياس الأول لمكانته في الوطن، أو أن تتقدم على حقوق المواطنة التي تجمع الجميع. فالمواطن لا يستمد حقه في الكرامة والمساواة من انتمائه إلى أغلبية أو أقلية، بل من كونه إنسان ومواطن يتمتع بحقوق يكفلها القانون.

 

ولا تستطيع المدرسة وحدها معالجة هذه القضية إذا كانت الممارسات السياسية والاجتماعية تناقض ما يتعلمه الطالب فيها. فالتربية على المواطنة تحتاج إلى دولة تطبق المساواة، ومؤسسات تحترم القانون، وخطاب عام لا يحول الاختلاف إلى عداوة، وحياة سياسية تتيح للمواطنين الالتقاء حول مصالحهم المشتركة بدلاً من حصرهم في هويات متنافسة.

 

لهذا، فإن بناء المواطنة المتساوية ليس مسألة أخلاقية أو تربوية فحسب، بل هو شرط لبناء دولة قادرة على حماية المجتمع من الانقسام، وتحويل تنوعه إلى مصدر قوة. فكلما شعر المواطنون بأن حقوقهم ومصالحهم مصانة على قدم المساواة، كلما تتسع فرص تعاونهم ومشاركتهم في الحياة العامة، وتتراجع قدرة الخطابات القائمة على التخويف والإقصاء على التأثير في مواقفهم.

 

لن ينتهي التعصب بمجرد الدعوة إلى التسامح، ولن تتوقف مظاهر التطرف بمجرد إدانة مرتكبي العنف. فالمطلوب هو معالجة الظروف التي تسمح بإعادة إنتاجهما، وبناء مؤسسات تجعل المساواة ممارسة يومية لا شعاراً، وتربية أجيال ترى في اختلاف الآخرين حقاً لا تهديداً.

 

إن ما ينبغي أن يشغلنا ليس فقط كيف نواجه التطرف عندما يتحول إلى عنف، بل كيف نبني دولة ومجتمع لا تتحول فيه الاختلافات إلى مبرر للتمييز، ولا يصبح فيه الانتماء وسيلة لتحديد قيمة الإنسان. فالمواطنة التي تضمن المساواة وتحمي الاختلاف ليست نقيض للانتماءات الأخرى، بل هي الإطار المشترك الذي يتيح لأصحابها التعايش بحرية، من دون أن تتحول تلك الانتماءات إلى حواجز تفصل أبناء الوطن الواحد.