
نريد معلّمًا يضيء ولا يحترق!
محمد علي الشبيبي
من بين الأوراق والمسودات التي تركها والدي (علي محمد الشبيبي)، عثرت على ورقة تعود إلى يوم الجمعة 30 آذار 1973، دوّن فيها تعليقًا على مقالة نشرها أحد الكتّاب، الذي اختار لنفسه اسم «مهذار»، في صحيفة «التآخي»، بعنوان «نريد معلّمًا يضيء ولا يحترق!؟».
استوقفتني هذه الورقة، لا لأنها تسجّل موقفًا من مقالة صحفية مضى على نشرها أكثر من نصف قرن فحسب، بل لأنها تطرح قضية لا تزال راهنة، بل أصبحت اليوم أشد إلحاحًا: قضية المعلّم، ومكانة التربية والتعليم، والمسؤولية التي يتحمّلها المجتمع والدولة في إعداد الأجيال وصناعة المستقبل.
لقد كتب والدي تعقيبه في زمن مختلف عن زمننا، وكانت له طريقته الخاصة في مناقشة الفكرة ومجادلة صاحبها، مستعينًا بالصورة الأدبية والمفارقة والتأمل. لكنه، من خلال حديثه عن المعلّم الذي يضيء ويحترق، لم يكن يناقش مهنة التعليم بوصفها وظيفة فحسب، وإنما كان يتناول رسالة إنسانية تتصل بالمعرفة والضمير، وبأثر المعلّم في عقول الأجيال ووجدانها.
وإذا كان الاحتراق، في صورة الشمعة التي استحضرها والدي، تعبيرًا عن الجهد والتضحية اللذين تتطلبهما رسالة التعليم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم هو: ماذا يبقى من هذه الرسالة حين تتراجع مكانة المعلّم، وتضعف مقومات المدرسة، ويصبح توفير أبسط مستلزمات البيئة التعليمية تحديًا في كثير من المؤسسات؟
إن واقع التعليم في العراق يثير أسئلة جدية لا يجوز تجاهلها أو الاكتفاء بالتأسف عليها. فهناك مدارس تعاني نقصًا في المقاعد والرحلات الدراسية، وتفتقر إلى المرافق الصحية الملائمة والنظافة الأساسية، فضلًا عن مشكلات البنى التحتية واكتظاظ الصفوف وتفاوت الإمكانات بين مدرسة وأخرى. وإلى جانب ذلك، تبرز المخاوف بشأن مستوى التحصيل العلمي، وتراجع فاعلية العملية التعليمية، وكثرة العطل والانقطاعات التي تربك انتظام الدراسة وتؤثر في استكمال المناهج وترسيخ المعرفة لدى الطلبة.
ولا تقف المشكلة عند جدران المدرسة أو مقاعدها ومرافقها؛ فهذه، على خطورتها، ليست سوى جانب من أزمة أوسع تمسّ نوعية التعليم، وكفاءة المناهج وأساليب التدريس، والاهتمام بالمعلم وتأهيله، وتكافؤ الفرص بين الطلبة. فالمدرسة ليست بناءً يؤوي التلاميذ لساعات محددة، والشهادة ليست ورقة تُمنح عند نهاية مرحلة دراسية؛ إنهما جزء من منظومة متكاملة ينبغي أن تضمن اكتساب المعرفة والمهارات والقدرة على التفكير والفهم والمشاركة في بناء المجتمع.
وحين تتراجع جودة التعليم، فإن الخسارة لا تصيب الطالب وحده، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. فالبلد الذي لا يمنح التعليم ما يستحقه من عناية يعرّض مستقبله العلمي والثقافي والاقتصادي للخطر، ويجعل الأجيال أقل قدرة على مواجهة تحديات عصر تتسارع فيه المعرفة والتكنولوجيا. كما أن ضعف المخرجات التعليمية قد يضعف فرص خريجي الجامعات في متابعة دراساتهم أو المنافسة في أسواق العمل خارج البلاد، حيث تخضع الشهادات والمؤهلات لمعايير التقييم والاعتراف المعمول بها في كل دولة ومؤسسة. ولذلك فإن الحديث عن مكانة الشهادة العراقية لا ينبغي أن يتحول إلى حكم عام على جميع الشهادات والخريجين، بل إلى دعوة جادة لفحص مواطن الخلل ومعالجتها، وضمان جودة التعليم ومصداقية مخرجاته.
ولعل أخطر ما في تراجع التعليم أن آثاره لا تظهر كلها في يوم واحد؛ فبعضها يتراكم بصمت، ثم تكشف عنه السنوات حين يواجه المجتمع نقصًا في الكفاءات، أو ضعفًا في البحث العلمي، أو عجزًا عن مواكبة التطور. وقد تستطيع الدول تعويض ما ينقصها من أبنية ومعدات في مدة من الزمن، لكن تعويض سنوات من التعليم الضعيف، وما قد تتركه من فجوات في المعرفة والتفكير، يحتاج إلى جهد طويل وإرادة جادة وسياسات مستقرة.
إننا لا نريد من المعلّم أن يضيء وحده، ثم نتركه يحترق تحت وطأة الإهمال، ولا أن نحمّله وحده مسؤولية إصلاح واقع تتداخل في صنعه مسؤوليات مؤسسات كثيرة. فالمعلّم يحتاج إلى بيئة تعليمية لائقة، وإعداد علمي وتربوي متين، وحقوق مهنية مصونة، ومناهج حديثة، وإدارة كفوءة، ونظام تعليمي يحترم العقل ويشجع السؤال ويكافئ الاجتهاد. كما يحتاج الطالب إلى مدرسة تحترم إنسانيته، وتوفر له شروط التعلم، وتغرس فيه حب المعرفة وقيم الصدق والأمانة والنزاهة واحترام الآخرين.
فالتعليم ليس تلقينًا للمعلومات وحفظًا للكتب، بل بناء للإنسان القادر على التمييز بين الحقيقة والخرافة، وبين المعرفة والوهم، وبين النقد المسؤول والتسليم الأعمى. وليس الهدف منه تخريج أجيال تحمل الشهادات فحسب، وإنما إعداد عقول تعرف كيف تفكر، وضمائر تدرك معنى المسؤولية، ومواطنين يقدّرون العمل ويحترمون القانون والمال العام، ويرفضون الفساد والسرقة والكذب.
ومن هنا، فإن استعادة مكانة التعليم في العراق لا تبدأ بالشعارات وحدها، بل بالاعتراف بالمشكلات كما هي، ووضع الخطط لمعالجتها، وتوفير المستلزمات الأساسية للمدارس، ومراجعة المناهج وطرائق التدريس، ومحاسبة المقصرين وفق القانون، وحماية استقلال العملية التعليمية من التدخلات التي تضعفها. والأهم من ذلك كله أن يصبح التعليم أولوية فعلية في السياسات العامة، لا مجرد عنوان يتكرر في الخطابات والمناسبات.
أعيد نشر هذه الورقة اليوم لأنني أرى أن ما كتبه والدي يستحق أن يُقرأ في ضوء حاضرنا، لا بوصفه نصًا من الماضي فحسب، بل بوصفه دعوة إلى التفكير في معنى التعليم ومصير الأجيال. وقد تختلف الظروف بين عام 1973 واليوم، لكن مسؤولية المجتمع تجاه المدرسة والمعلّم والطالب لا تتغير، بل تزداد كلما ازدادت تحديات الحياة وتعقّدت متطلبات المستقبل.
وأترك للقارئ أن يتأمل ما كتبه والدي، وأن يقارن بين الفكرة التي ناقشها قبل أكثر من نصف قرن، والأسئلة التي يطرحها واقعنا الراهن. فالكلمات التي تُكتب بصدق قد تتجاوز زمنها، وتظل قادرة على إيقاظ الأسئلة التي لم نجد لها جوابًا بعد.
وفيما يأتي نص تعقيب والدي، كما وجدته في أوراقه، مع الحفاظ على صياغته الأصلية:
(نريد معلّمًا يضيء ولا يحترق!؟
أخي مهذار.
قرأت كلمتك المنشورة في عدد التآخي 1294 بعنوان "نريد معلما يضيء ولا يحترق". فاسمح لي أن أثرثر معك قليلاً، وبين الهذر والثرثرة تقارب في المعنى. وعسى أن أكون كالثرثار يجري فيه ما يكون منه كل شيء حي.

المربي الراحل علي محمد الشبيبي قصاصة الورق التي دون والدي عليها رده على مهذار
أنت تريد معلماً يضيء ولا يحترق، أمر لا يمكن أن يكون أبداً. فكل مضيء لابد أن يحترق، حتى الشمس، هذا الكوكب العظيم، يحترق منه ما يناسب جرمه العظيم. والمصباح الكهربائي، الذي يمنحنا ضوءاً جميلاً، هو أيضاً لابد أن يحترق.
أنك تعيب الشمعة إذ تترك بسبب احتراقها سخاماً. فلا تريد لهذا السبب أن يكون المعلم -شمعة- كي لا يترك -سخاماً-. ما ذنب الشمعة، وقد أنارت لأجيال كثيرة من البشر، متعتهم بالنور، حتى أنها -ولأنها كانت أرقى وسائل الإنارة- عاشت حقبة كبيرة من الزمن في قصور الأغنياء والمنعمين، بعيدة عن أكواخ المعدمين! وظلت حتى يومنا هذا رمزاً للنور والمعرفة. ولهذا السبب أطلق القدماء على المعلم هذا القول -شمعة تضيء وتحترق- ليته كان -شمعة- فمن الممكن أن نجمع حطام الشمعة الذائب فيعود شمعة من جديد. إن أقرب شبه للمعلم -جسر خشبي- يعبر عليه الملايين أو الألوف، حتى إذا تآكلت الأخشاب أبدلت بغيرها، ورميت إلى اللهب لتتحول إلى رماد.
كم يا أخي من المعلمين أضاؤا واحترقوا، ولم يتركوا سخاماً. تركوا ذكرى عبقة كأريج الزهر، تزيد أرجاً كلما تقدم الزمن. ولكن كثيرين أيضا احترقوا وتركوا سخاما، لأنهم ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا شموعا تنير حسب ما يرغب الظلمة والمتحكمون/ الجمعة 30 /3 /1973)
محمد علي الشبيبي
السويد 25-10-2026
